Login

Register

User Registration
or Cancel

The best bookmaker bet365

Best bookmaker bet365 register

Headlines

الحـــــــــوار الوطنــــي والاستقـــــرار السياســـــي فــــــي الســــــودان

National Dialogue and Political Stability in Sudan

Abstract: In this paper, the author explores how dialogue has shaped many aspects of Sudanese political life. He identifies the term ‘dialogue’ from a linguistic and political perspective and provides an overview of what a political dialogue entails. The author further discusses the challenges facing national dialogue in Sudan which include but are not limited to: trust issues, favoring tribal and personal issues over the overall welfare of the nation, the environment, and the large number of political parties which sometimes lack a strategic plan. The author concludes by providing recommendations for providing the ideal environment for dialogue. Some of these recommendations include overcoming differences and coming up with strategic plans to be able to resolve conflict.

 

د. عبد المنعـــم محمــــد صالــــح عبد اللـــــــه    

تمهيـــــد:

يعتبر السودان بموقعه الجغرافي نقطة محورية في اندماج الحضارات والثقافات المختلفة والتي تعايشت مع بعضها في انسجام، حيث تشكلت الدولة السودانية المعاصرة، ونتج عن ذلك وجود الإنسان السوداني المتسامح الذي يقبل التعايش مع الآخرين، ومن هنا كان التمازج العربي الزنجي الذي أوجد الإنسان السوداني بسحنته المعروفة الآن.

 

كانت كل الخلافات تتم معالجتها عبر الحوار الهادئ إذ لم تتم إثارة قضايا الخلاف والتنوع على المستوى الشعبي كثيراً، فاتحد الشعب السوداني في مواجهة المستعمر فكانت الثورات في كل أنحاء السودان ومن كل قبائله دون استثناء، وقد ساهمت الطرق الصوفية والأحزاب السياسية في اصطفاف الشعب السوداني حول القضايا الوطنية. وقد أدى كل ذلك إلى خلق ثقافة السودان المتميزة في التعايش السلمي والتحاور من أجل تسوية الخلافات، فشهد تاريخ السودان حوارات عديدة من أجل حل قضايا البلاد منذ فترة ما قبل الاستقلال واتفاق القوى السياسية عبر الحوار على كيفية توحيد النضال من أجل طرد المستعمر، وأيضاً اتفاقها على كيفية إعلان الاستقلال من داخل البرلمان بعد حوار عميق بين مختلف المكونات السياسية في السودان.

من نماذج الحوار في السودان الحوار الذي أجري من أجل تسوية صراع الجنوب (مؤتمر الحوار من أجل السلام 1989)، وكذلك الحوار حول مسألة هوية السودان الثقافية والدينية، وكيفية حكم السودان، وأيضاً تبعية السودان لمصر أم الابتعاد عنها، أضافة إلى الحوار حول مياه النيل وحصة السودان وغيرها.

من وجهة نظر أخرى، يلاحظ أن الحوار الوطني في السودان، ظل مفتوحاً ومستمراً بين رؤى ورؤى بديلة، والآن بعد مضي ستة عقود على الحكم الوطني، وتجريب سبع نسخ من الدساتير والأوامر العسكرية، وستة انتخابات تعددية، وثلاث حقب حكم مدني، وثلاثة أنظمة عسكرية، وأربع فترات انتقالية، وثلاث حروب أهلية، وسبع اتفاقيات للسلام، لاتزال القوى السياسية عاجزة عن الوصول إلى معادلة تحقق استدامة السلام والاستقرار والتنمية.

تعريف الحوار في اللغة

يعود أصل كلمة الحوار إلى الحور، وهو الرجوع عن الشيء وإلى الشيء، يقال: حار بعدما كار، والحور النقصان بعد الزيادة، لأنه رجوع من حال إلى حال، وقد ذهب البعض إلى أن الحوار لغة: المجاوبة والمجادلة والمراجعة.

الحـــــــوار اصطلاحـــــاً

   هو نوع من الحديث بين شخصين أو فريقين، يتم فيه تداول الكلام بينهما بطريقة متكافئة، فلا يستأثر به أحدهما دون الآخر، ويغلب عليه الهدوء والبعد عن الخصومة والتعصب، وهو الحديث الذي يجري بقصد الإقناع والوصول إلى الحق. فمن متطلبات الحوار، أن يوجد استعداد نفسي وفكري لدى مكونات المجتمع المختلفة، لتبادل الرأي والاستماع للطرف الآخر، دون إثارة حفيظته، لكي يؤدي إلى التفاهم بين أفراد المجتمع، ويتيح التواصل مع الآخرين، فثقافة الحوار تعني أن يمارس المجتمع بكل أطيافه الاجتماعية، والسياسية والاقتصادية، قبول سلوك الآخرين بغض النظر عن الاختلافات الفطرية والسلوكية كالدين، والانتماء، واللون، والجنس وغيرها، فلابد من أن يكون قبول الآخر وآرائه جزءاً أصيلاً من نمط السلوك الاجتماعي، والعادات والتقاليد والموروثات لمجتمع ما، مع وضع التباين الناشئ نتيجة لعوامل طبيعية واجتماعية في الاعتبار، وذلك لكي تكون هنالك قدرة على التفاعل السلوكي، والاجتماعي، والمعرفي، والحضاري والمفاهيمي مع الآخرين وقبوله.

مرتكزات الحوار السياسي:

هناك مرتكزات أساسية يقوم عليها الحوار السياسي تتمثل في الآتي:

1.   إنه عملية، وبالتالي هو آلية دائمة يمكن اللجوء إليها في أي وقت وليس مرحلة تبدأ وتنتهي، بل هي آلية مستمرة، بسبب استمرار النتائج التي يمكن أن تتمخض عنها. بمعنى متى تم التوافق على إجراء سياسي معين، فإن هذا الإجراء الذي تم بالحوار سيستمر، باعتباره نتيجة للحوار.

2.   الحوار يتم بين عدة أطراف، وهذا يعني أن لا يمكن أن يتم بين طرف واحد، وبالتالي فهو مكون من أطراف والتي تشمل الحوار بين الأفراد والأفراد، أو بين الأفراد والمؤسسات، أوبين المؤسسات ونظيراتها من المؤسسات.

3.   التباين والاختلاف، والمقصود به، وجود فروقات في الآراء ووجهات النظر بين أطراف الحوار، تجاه القضايا السياسية محل النقاش.

4.   الوصول إلي حالة الوفاق، وهي الحالة التي تمثل مخرجات الحوار، بحيث يكون هناك اتفاقاً عاماً، حول القضايا محل النقاش السياسي.

هذه النقطة تتطلب طرح الفرق بين الحوار والمفاوضات، ففي المفاوضات غالباً ما تكون هناك أطرافاً خاسرة وأخرى رابحة لأن هناك طرف واحد يقدم التنازلات لإحداث حالة الاتفاق، في حين أن الحوار لا يكون فيه طرف خاسر، بل تتم العملية بنقاش موسع بين كافة الأطراف، ويتم التوافق على حالة توفيقية بين الآراء المتعددة، بحيث يقدم كل طرف قدراً معيناً من التنازل في مواقفه وآرائه السياسية سعياً وراء الوصول إلى حالة التوافق. وبالتالي فإن المفاوضات تنتهي بالاتفاق، أما الحوار فينتهي بالتوافق.

ضوابط الحوار السياسي

الحوار السياسي والتواصل مع الآخر، يعد ثقافة وأسلوب حياة، ينبغي أن يتمتع به الفرد في أي مجتمع ديمقراطي، كما لابد من إدراك أن هناك ضوابط تحكم الحوار والتواصل مع الآخر، وتشمل:

1.   ضرورة تقديم الآراء المسلطة، والابتعاد عن التطرف والتشدد في طرح الآراء مع الآخر.

2.   كما لابد أن تقوم العملية برمتها على الاحترام المتبادل.

3.   التفريق بين الثوابت والمتغيرات، بمعنى أن تكون هناك ثوابت عامة، تجمع كافة الأطراف، مثل الثوابت الوطنية التي تحدد أسس المواطنة، والتعبير والاعتقاد. وهناك متغيرات تتعلق بالأوضاع والظروف السياسية، التي تختلف هذه الأطراف حول كيفية تطويرها، والثوابت عادة لا يتم الاختلاف بشأنها، بقدر الاختلاف حول المتغيرات، التي تمثل القضايا السياسية محل الاختلاف.

تحديات الحوار الوطني في السودان

1- أزمـــــة الثقـــــــــــة :

أصبحت أزمة الثقة أكبر تحدٍ ومعوق لنجاح الحوار الوطني في السودان، فمنذ فترة ما قبل الاستقلال أصبحت هذه الصفة ملازمة لساسة السودان منذ أن نقضت أحزاب الشمال وعدها للجنوبيين بتطبيق النظام الفيدرالي إن هم صوتوا لصالح الاستقلال من داخل البرلمان، فأصبحت أزمة الثقة مصاحبة للسياسة السودانية، الأمر الذي جعل أي جهد لحوار داخلي تصطدم بجدار أزمة الثقة، وبالتالي نقل قضايا السودان إلى الخارج ليتم التحاور والتفاوض حولها برعاية وضمانات دولية لأي اتفاق يتمخض عن ذلك، وهو ما حدث في نيفاشا وأبوجا والدوحة حول دارفور والمنطقتين.

2- تقديم المصالح الحزبية والقبلية والشخصية على المصالح الاستراتيجية العليا والأمن القومي السوداني :

أصبحت مسألة الروح الوطنية والولاء للوطن لدى كثير من شرائح الشعب السوداني متدنية إلى حد كبير، فأصبحت المصلحة الخاصة والحزبية والقبيلة هي الباعث الأساسي والدافع المحوري للمشاركة السياسية، بل تكونت أحزاب ومنظمات شعارها تحقيق مصالح خاصة ولم يعد الوطن هو الهم الذي يبذل الناس من أجله الغالي والنفيس، وبالتالي تفشل معظم الحوارات عندما يتم تغليب مصالح تلك الفئات، فهؤلاء يدخلون الحوار باعتباره محفلاً للمحاصصة وكسب المغانم المالية ومواقع السلطة، ومن ثم ينحرف الحوار عن غاياته الأساسية، ويبدو هذا واضحاً في معظم الحوارات والمفاوضات في الفترة الأخيرة مما أدى إلى دخول عدد كبير من المعارضين إلى صف الحكومة والمواقع والحقائب الوزارية حتى تضخم دولاب الدولة.

3- عدد ونوع المشاركين في الحوار الوطني

هذه واحدة من التحديات والتعقيدات الصعبة التي تؤثر على الحوار، فهل يشارك في الحوار الأحزاب السياسية وحدها، وعدد هذه الأحزاب تقريباً أكثر من مائة حزب، مع العلم بأن معظم هذه الأحزاب تابعة أو مصنوعة، أم ستشارك النقابات ومنظمات المجتمع المدني، أم القبائل التي أصبحت فاعلاً أساسياً في الساحة السياسية، أم الإدارة الأهلية أم الأكاديميين، أم الحركات المسلحة، وماهي النسب التي سوف تشارك بها هذه المكونات في الحوار الوطني. وقد ظهر هذا التعقيد عندما تعثرت مجريات الحوار ورفضت بعض الكيانات المشاركة.

4- بيئة ومناخ الحوار الوطني :

لكي ينجح الحوار لابد من تهيئة البيئة المناسبة لذلك، من خلال تهيئة كل مكونات الشعب السودان (الأحزاب السياسية، منظمات المجتمع المدني) بنشر ثقافة السلام والتعايش السلمي ونبذ الحرب وبث الروح الوطنية والتركيز على المصالح العليا للدولة وخلق أرضية مشتركة لأطراف الحوار الوطني، والتقليل من حدة التوترات ورواسب الماضي، والتركيز على أهمية الأمن الوطني، والبحث عن حلول لقضايا وأزمات السودان داخلياً دون الاعتماد على الخارج، حتى تكون هناك بيئة معافاة وسليمة تشكل مدخل وأرضية قوية تنعكس إيجاباً على الحوار الوطني ومخرجاته.

الوضع السياسي المأزوم والمتوتر وغير المستقر لن يؤدي إلى حوار وطني موضوعي ناجح بل سيؤثر سلباً بكل تأكيد على مجريات ومكونات ومخرجات الحوار وبالتالي لابد من وضع هذه النقطة المحورية قيد النظر والتنفيذ، لأنها تعتبر المدخل السليم والقوي والبداية الصحيحة لإجراء الحوار الوطني، فبدونها ستكون مخرجات الحوار ضعيفة ولا تخدم الغرض الذي أجري من أجله الحوار.

5- أزمة الأحزاب السياسية السودانية والتي تعاني من :-

القيادات طويلة الأجل، الصراع على رئاسة الحزب، ظاهرة الانشقاقات في الأحزاب السياسية السودانية، احتكار عملية صنع القرار الحزبي، ضعف قنوات التجنيد، التراخي في إعداد قيادات جديدة، انعدام الديمقراطية الداخلية والمؤسسية، قومية الأحزاب السياسية.

6- الدستور

إن التطور الدستوري في السودان مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتاريخ السياسي في السودان، إذ أن الأحداث الكبرى في السودان هي مصدر التحولات الدستورية البارزة حيث يصبح التطور الدستوري انعكاساً لمجرى التاريخ السياسي، أي أن التطور الدستوري هو الوجه الآخر لواقع التاريخ وللتحقق من أن هناك ارتباطاً جدلياً بين التاريخ السياسي للسودان والتطور الدستوري فيمكننا أن نشير إلى الفترات الديمقراطية الثلاث وما تلاها من تحولات دستورية.

1- إن إعلان الاستقلال في 1956م أدى إلى تحول دستوري أساسي هو ميلاد دستور السودان 1956م، فالمسيرة السياسية النضالية قد انبثق عنها هذا التطور الدستوري الجوهري.

2- ثورة 1964م كحدث تاريخي فرض تطوراً دستورياً آخر هو دستور السودان المؤقت المعدل 1964م وبرفقته الميثاق الوطني لثورة 1964م.

3- انتصار ثورة رجب / أبريل 1985م أفرزت حدثاً دستورياً جديداً هو دستور السودان الانتقالي 1985م الذي أسس للديمقراطية الثالثة بالسودان.

يلاحظ أن صدور الدستور عن الإرادة الوفاقية (وفاق بين جبهتين أو جهات لها ارتباط  بالدولة التي صدر الدستور ليقرر السلطات فيها) كان السمة الغالبة لجميع دساتير السودان منذ 1956م – 1964م – 1985م، والحكم الذاتي 1953م فمثلاً دستور 1956م لم يتم وضعه عن طريق المنهج الديمقراطي أي طريق السيادة الشعبية سواء مباشرة أو شبه مباشرة. إن هذا الدستور لضرورة إعلان الاستقلال، وقد وضع عن طريق الإرادة الوفاقية، حيث توافقت كل الأحزاب ذات التمثيل البرلماني حينذاك في أن يعدل دستور الحكم الذاتي 1953م بأن يجاز من البرلمان بمجلسيه مجلس النواب ومجلس الشيوخ مجتمعين معاً. وهذه طريقة وضع الدستور عن طريق الإرادة الوفاقية لا السيادة الشعبية، لأن البرلمان آنذاك انتخب فقط للتشريع ولم ينتخب كسلطة تأسيسية لوضع الدستور للشعب، أما دستور السودان الانتقالي 1985م فقد أعد بواسطة لجنة وأصدره المجلس العسكري باعتباره السلطة الدستورية العليا، بعد أن وجد قبولاً شعبياً مناسباً. هذه الدساتير بصفتها المؤقتة قد احتوت أوضاعا دستورية استثنائية، تمثلت في أوجه عدة منها:

1-   الصفة التعددية لرأس الدولة، أن القاعدة العامة في هذا الأمر هي فردية رأس الدولة، وقد اتحدت هذه الدساتير في أن يكون رأس الدولة مجلساً مكوناً من خمسة أعضاء، وقد كانت الجمعية رئيساً لمجلس رأس الدولة، ولا شك أن تكوين رأس الدولة بهذه الصورة يمثل وضعاً استثنائياً ناتجاً من الصفة المؤقتة لتلك الدساتير، الأمر الذي أفقد الأمة الرمز الواحد لوحدتها.

2-   إن الصفة المؤقتة للدساتير لا تؤدي إلى الاستقرار الدستوري والسياسي للنظام، ولهذا تعقب هذه الدساتير انقلابات عسكرية تطيح بالديمقراطية، الأمر الذي يستدعى بالضرورة وضع دستور مستقر، يحمى النظام السياسي من الإضرابات الدستورية الناتجة من الأوضاع الدستورية المؤقتة.

إن المؤسسات الدستورية المؤقتة يتعذر معها الاستقرار السياسي، ففي دستور 1956م لم يعهد بعد خلو منصب الحاكم العام برئاسة الدولة لرأس دولة فرد، حيث لم يوضع الدستور الدائم للبلاد، الذي يقر ذلك، ومنذ ذلك العام ظلت الرئاسة لخمسة أشخاص يكونون معاً رأس الدولة بصفة مؤقتة إلى حين صدور الدستور الدائم والإشكاليات تكمن في أن الرئاسة بهذه الصفة المؤقتة قد لا يحقق الاستقرار السياسي والدستوري لنضوج التجربة الديمقراطية ومنحها طابع الاستقرار. أيضاً يلاحظ في مسألة الشرعية الانتقالية أن مجلس الوزراء في دستور السودان المؤقت المعدل 1964م هو السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية في نفس الوقت مما أدى إلى غموض الممارسة الديمقراطية كما نجد أن مجلس الوزراء والمجلس العسكري الانتقالي 1985م، كان الأول يمارس السلطة التنفيذية والثاني يمارس السلطة السيادية، وهما معاً يباشران السلطة التشريعية، مما جعل التجربة الديمقراطية في عهد الشرعية الانتقالية أكثر غموضاً على سابقتها، مما أدى إلى غموض الإحساس بعمق ونضوج التجربة الديمقراطية الأمر الذي قد يدفع  في اتجاه التساهل في الاحتفاظ بها، وعدم الاهتمام بتطويرها بل حدث عدم اهتمام بالتجربة، حيث أجريت خمسة تعديلات على دستور السودان المعدل 1964م.

إن الصفة المؤقتة للمؤسسات الدستورية وإجراء التعديل عليها بمثل هذه البساطة خلق واقعاً دستورياً أعاق مسار التجربة الديمقراطية والاستقرار السياسي.

إن التجربة الديمقراطية السودانية قد أثقلت بالمهام الثنائية مما أقعد هذه التجربة من النمو والتطور في تحقيق واقع دستوري أكثر إنجازاً وأعمق استقراراً، فمثلاً دستور 1964م المؤقت المعدل أنيط بالجمعية التأسيسية فيه بواجبان هما: وضع الدستور الدائم وإجازته كجمعية تأسيسية ( راجع المادة 54/2 من دستور 1964م) والتشريع العادي بقوانين ( راجع المادة 43 من نفس الدستور ) وكذلك هذه الوضعية الثنائية للجمعية التأسيسية الثانية، إن هذه المهمة قد ظلت تؤجل وضع وإجازة الدستور حيث أن الجمعية تظل مشغولة بمراقبة السلطة التنفيذية في سياساتها، ومشغولة بتشريع القوانين المتعددة، هذا التأجيل المستمر لوضع وإجازة الدستور، أدى إلى استمرار المؤسسات الدستورية المؤقتة، كما أدى إلى تكريس عدم الاستقرار السياسي والدستوري مما أفقد التجربة الديمقراطية جديتها ومصداقيتها.

خلاصة القول أن الصفة المؤقتة للمؤسسات الدستورية وإجراء التعديلات عليها بكل سهولة خلق واقعاً دستورياً أعاق مسار التجربة الديمقراطية والاستقرار السياسي، بالإضافة إلى المهام الثنائية التي توكل إلى المؤسسات الدستورية في وضع الدستور وإجازته والتشريع العادي بقوانين حيث تكون المؤسسة الدستورية مشغولة بمراقبة السلطة التنفيذية وتشريع القوانين المختلفة، مما يجعلها تؤجل وضع وإجازة الدستور الذي ينظم ويضبط نظام الحكم الديمقراطي والاستقرار السياسي في السودان.

الحوار الوطني والاستقرار السياسي في السودان

يعتبر الحوار الوطني السوداني مشروعاً استراتيجياً ليس للسودان فحسب بل للوطن العربي والقارة الأفريقية والعالم إذا تحققت مخرجاته وطرحت نتائجه ووثيقته التي ستكون خارطة طريق ومسار استراتيجي وميلاداً جديدا للأمة السودانية.

من الأهداف الاستراتيجية للحوار الوطني في السودان هو بناء أمة سودانية متطورة متقدمة متحضرة موحدة آمنة، موحدة بالتوافق الوطني السوداني. آمنة بالتعايش السلمي، متحضرة بالرقي الاجتماعي، متقدمة بتحقيق الكفاية، متطورة بالصعود نحو مجتمع الحرية والمساواة. ولبلوغ هذه المقاصد والأهداف في بسط السلام في الحفاظ على وحدة السودان، وتحقيق التنمية والنهوض بالاقتصاد وبخيرات البلاد الكثيرة في الباطن والظاهر، يتحقق هذا الحوار، فهذه هي أهم مواضيع وتطلعات وأهداف تعتبر محور اهتمام القيادة السودانية والشعب والأمة.

 من المراجعة الاستراتيجية لقضايا السودان في الأعوام الماضية والقراءة الدقيقة والفاحصة للتجارب والأحداث، ومن خلال مسار تحقيق الرؤية الوطنية التي التزمت بها الحكومة انبثقت منها خارطة طريق وهدف كبير يجب تحقيقه، حيث تبنت الحكومة السودانية مبادرة تاريخية لم يسبق لها مثيل في المنطقة والتاريخ السوداني منذ الاستقلال عام 1956، ألا وهي مبادرة الحوار الوطني.هذا المشروع السياسي السوداني الكبير الذي انبثق من قلب السودان والإرادة السياسية للقيادة السودانية، والتحدي الكبير لهذه الأمة، والإصرار الذي لا يلين لشعبها الأبي والحكمة العظيمة لقيادتها السياسية. فالحوار السوداني يأتي في ظل تطورات الإقليم والمنطقة التي تموج بالاستراتيجيات الأجنبية والخارجية التي تسعى لتأسيس واقع جديد يعبر عن مصالحها وأهدافها المرسومة أكثر من كونه يعبر عن مصالح دول وشعوب المنطقة وتطلعاتها، وهذا ما يشكل تحدياً للحوار من وجهة نظر استراتيجية وأمنية حيث إن طبيعة المهددات والتعقيدات الراهنة المتوقعة في المستقبل، تؤثر في الواقع على الوطن العربي والقرن الأفريقي والمنطقة من خلال الأحداث والتطورات الأمنية المحيطة. فكلنا يشهد ويعيش الآن محاولات تفتيت العالم العربي وتجزئته وإضعافه عبر أجندات وانقلابات وحركات، ابتداء من دخول القوات الأمريكية إلى العراق عام 2003م حتى ظهور ما يسمى بالربيع العربي الذي أخذت تحدياته وأهدافه تتغير حسب موجهيه ومصالحهم وخططهم الاستراتيجية، ومن هنا بدأنا نتطلع كشعوب عربية وأمم أفريقية إلى مستقبل قد نجد فيه بصيص أمل أو منفذاً أو خارطة طريق أو وصفة سحرية لإنقاذ ومعالجة ومحاولة إسعاف ما تبقى من أوطان وبلدان.

    وصف الحوار الوطني بكثير من مصطلحات السياسة ما بين ثورة الإصلاح السياسي وأكبر مشروع سياسي في تاريخ السودان، في تأرجح بين كفة القوي السياسية والحزب الحاكم في نظرته للحوار الوطني،ومن هذا المنطلق تظل الصورة لأهداف الحوار الوطني المعلنة من جانبي الحكومة والمعارضة، أو التي تتدثر تحت أهداف أخرى غير واضحة لكلا الطرفين.

الأهداف المعلنة التي طالما نادي بها الحزب الحاكم وانطلق على ضوئها الحوار في العاشر من أكتوبر 2015 م، بالرغم من مقاطعة بعض القوي المعارضة والحركات المسلحة وتأكيدها على أن الحوار ثورة للإصلاح السياسي والمجتمعي، وترتكز على قناعة أهل السودان، وهو أحد المخرجات الاستراتيجية المهمة، وأن تصبح مخرجات الحوار وثيقة وطنية تعبر عن آمال وطموحات في كيف يحكم السودان

بتاريخ الاثنين 27 يناير 2014م، دعا السيد رئيس الجمهورية المشير عمر حسن أحمد البشير القوى السياسية في السودان إلى ما عرف بخطاب الوثبة للتوافق على إصلاح شامل بإجراء حوار وطني يشارك فيه الجميع لمعالجة القضايا الجوهرية كخيار للانطلاقة والنهوض من أغلال الأزمات التي أقعدتنا منذ الاستقلال. واستجاب للدعوة أربعة وسبعون حزباً وأربع وثلاثون حركة مسلحة وعدد من الشخصيات القومية، ووضع تصور عملي لإدارة الحوار الوطني ولتوثيقه كأهم وأكبر حدث سياسي وتاريخي بعد الاستقلال تحت شعار السودان وطن يسع الجميع.

تحددت غايات وأهداف الحوار الوطني من خلال خارطة طريق، نظمت الحوار على:

1.   التأسيس الدستوري والسياسي والمجتمعي في إطار توافقي بين السودانيين ينشئ دولة عادلة وراشدة ونظاماً سياسياً فاعلاً.

2.   التعاون والتناصر بين جميــع السودانيين لتجاوز أزمات السودان كافة.

3.   التوافق على دستور وتشريعات قانونية تكفل الحرية والحقوق والعدالة الاجتماعية والاتفاق على نظم مستقلة لحماية تلك الحقوق.

4.   التوافق على التشريعات والإجراءات الضرورية لقيام انتخابات عادلة ونزيهة تحت إشراف مفوضية مستقلة سياسياً ومالياً وإدارياً.

 

ثم حددت جملة من مطلوبات تهيئة مناخ الحوار الوطني جملة من إجراءات لبناء الثقة:

1.   إطلاق سراح المعتقلين السياسيين كافة

2.   كفالة الحريات السياسية والتأمــين الكامــل على حرية التعبير والنشر.

3.   تجنب خطاب الكراهية والتراشق الإعلامي بين أطراف الحوار

4.   وضع الضمانات اللازمة للسلامة الشخصية لحاملي السلاح للانخراط في الحوار مع وقف شامل لإطلاق النار بترتيبات أمنية كاملة

5.   القضاء هو الجهة المعنية بقضايا النشر والتعبير مع عدم اللجوء للإجراءات الاستثنائية خاصة أثناء الحوار

6.   ووضعت مبادئ أساسية للحوار الوطني من أهمها الشمولية في المشاركة والموضوعات، والشفافية، والالتزام بالمخرجات وتنفيذها.


وتحددت ستة محاور أساسية لمناقشة قضايا السودان الملحة وهي:

1.   محور السلام والوحدة

2.   محور الاقتصاد

3.   محور الحريات والحقوق الأساسية

4.   محور الهوية

5.   محور العلاقات الخارجية

6.   محور قضايا الحكم وتنفيذ مخرجات الحوار


  في العاشر من أكتوبر 2015م انعقدت الجمعية العمومية للحوار الوطني وفي اليوم التالي الحادي عشر من أكتوبر 2015م باشرت اللجان الست أعمالها فأقرت منهج العمل داخل اللجان وتكفلت الأمانة العامة للحوار الوطني التي تكونت بتاريخ 20/ 8/2015م بتوافق للجنة التنسيقية العليا ومن شخصيات قومية من ذوي الخبرة والاختصاص لأداء المهام: متابعة جلسات اللجان والمؤتمر وكتابة محاضر التداول وتحرير نقاط التوافق والاختلاف ورفعها للجنة التنسيقية العليا، وتوفير الدراسات والبحوث والأوراق، وتوثيق أعمال المؤتمر، وأي مهام أخرى تكلفها بها اللجنة التنسيقية العليا، واختير البروفيسور هاشم علي سالم أميناً عاماً للحوار الوطني.

تحدد منهج لإدارة الحوار الوطني داخل اللجان قائماً على أسلوب اللجان ذات الموضوعات المتخصصة، ويبدأ النقاش العام داخل اللجنة المعنية، ثم تعرض الأحزاب والحركات والشخصيات القومية رؤاها، ويتم تلخيص الموضوعات المتفق عليها وتلك التي تحتاج لمزيد من التداول، فإذا استمر التباين في الرأي يجوز لرئيس اللجنة إحالة ما لم يتم الاتفاق عليه للأمانة العامة لطلب الموفقين، كما يجوز للرئيس وبموافقة اللجنة عقد جلسات استماع من الخبراء وذوي الاهتمام والاختصاص لتقريب وجهات النظر بين مواقف أعضاء اللجنــــة. واحتفظت اللجان بتوثيق شامل للجلسات بالصورة والصوت والتدوين الكتابي.

بلغت جملة اجتماعات اللجان طوال فترة الحوار (312) اجتماعاً ناقشت اللجان(523)  ورقة عمل، بلغت عضوية اللجان (648) عضواً وكانت المشاركة التراكمية(8877)  عضواً أمضوا ما جملته (1154) ساعة في الحوار الذي جرى داخل القاعات بسقوف مفتوحة وحرية كاملة وتشخيص دقيق للأزمة كما سافرت اللجان إلى خارج العاصمة للوقوف الميداني.

   ظلت اللجنة التنسيقية تبذل الجهود لتحقيق شمولية التمثيل في الحوار بدعوة الأحزاب الداخلية الممتنعة أو المعلقة للحوار وكذلك دعوة الحركات التي تحمل السلاح وتستعين على إقناعهم ببذل الجهود الخارجية. في الرابع من سبتمبر 2014م، التقت المعارضة المسلحة بوفدٍ من اللجنة التنسيقية للحوار في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا تحت رعاية الآلية الأفريقية رفيعة المستوى لإقناعهم بالحل السياسي لحل مشاكل الوطن وبضرورة معالجة الأوضاع الإنسانية كأولوية قصوى في عمليات إعادة بناء الثقة، وعلى ضمان الحريات الأساسية وحقوق الإنسان وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وعلى البدء في الحوار بكفالة حرية التعبير لكل المشــــاركين فيه وصولاً للتوافق الوطني.

وسط حضور إقليمي ودولي تسلم الرئيس عمر البشير، رئيس مؤتمر الحوار الوطني «الوثيقة الوطنية»، التي شملت توصيات (994 توصية) ومخرجات الحوار السوداني السياسي والمجتمعي، وذلك في جلسة تاريخية عقدت بالخرطوم في مهرجان احتفالي حاشد بحضور القوى السياسية والحركات المسلحة والشخصيات الوطنية القومية التي شاركت في الحوار الوطني.

كانت الجلسة الختامية لأعمال الحوار الوطني السوداني شهدت توقيع ممثلي الأحزاب والحركات المشاركة في الحوار على الوثيقة قبل تسليمها للرئيس البشير، وشهد مراسم التوقيع عدد من الرؤساء وقادة الدول العربية والإفريقية وسفراء الدول الأجنبية بالخرطوم.

       خاطب الجلسة كل من أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والرئيس التشادي إدريس ديبي، رئيس الاتحاد الإفريقي، والرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، رئيس الجامعة العربية، والرئيس اليوغندي يوري موسفيني، والمبعوث الروسي بالخرطوم ميخائيل بوقدانوف وممثل الحكومة الصينية.
وأعلن الرئيس عمر البشير اعتماد الوثيقة الوطنية للحوار الوطني بشقيها السياسي والمجتمعي، وتعهد بأن تكون هذه الوثيقة هي الإطار المستقبلي للبلاد.

جدد الرئيس البشير الالتزام بمخرجات وتوصيات الحوار الوطني التي جاءت في الوثيقة، مؤكداً أنه لا مجال بعد اليوم لأي شكل من أشكال توظيف العنف في الممارسة السياسية أو التعبير عن المواقف. كما أعلن في كلمته خلال الجلسة عن وقف شامل لإطلاق النار بنهاية العام 2016م في كل البلاد، وقال إن الوثيقة متاحة لكل من أراد التوقيع عليها من القوى السياسية والحركات المسلحة، ودعا البشير الممانعين أن ينضموا إلى وثيقة الحوار الوطني. وقال الرئيس البشير نقدم خالص شكرنا للأشقاء في العالم العربي والإسلامي الذين بذلوا جهداً لتحقيق السلام والمصالحة في السودان على رأسهم جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ودولتا قطر وتشاد لما بذلوه من جهود لترسيخ السلام في السودان.

من جانبه قال أحمد أبو الغيط الأمين العام لجامعة الدول العربية إن الحوار السوداني حظي بدعم ومساندة جامعة الدول العربية، وأشاد بقدرة السودانيين على إدارة حوار فيما بينهم دون الحاجة إلى وسيط.

وقال الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز، رئيس الجامعة العربية، إن الحوار السوداني يمثل نجاحاً، عمل على استراتيجية ومصالح الشعب السوداني، وأضاف أن مخرجات الحوار ستؤدي إلى السلام والتنمية المستدامة في ربوع السودان. ووصف الرئيس اليوغندي يوري موسفيني الحوار السوداني بأنه إنجاز كبير تحقق بالتوافق الوطني، مؤكداً استعداد بلاده على تقديم كل ما في وسعها من أجل تحقيق السلام والاستقرار في السودان.

من جهته قال الرئيس التشادي إدريس ديبي، رئيس الاتحاد الإفريقي إن السودان من خلال ما توصل إليه عبر الحوار الوطني قدم نموذجاً جيداً يمكن أن تقتدي به القارة الإفريقية لحل المشكلات الشبيهة بالحالة السودانية، وأكد ديبي استمرار دعم الاتحاد الإفريقي والدول الإفريقية لدعم السودان حتى يتحقق الأمن والاستقرار الشامل. وأكد المبعوثين الروسي والصيني على دعم بلديهما لمبادرة الحوار الوطني، وعمق علاقات بلديهما التاريخية بالسودان. ومن جانبه قال هاشم محمد سالم الأمين العام للحوار السوداني، خلال مخاطبته الاحتفال، إن مؤتمر الحوار الوطني يهدف لإحداث نقلة نوعية في السودان، لافتاً إلى إنجاز مهام المؤتمر على النحو المطلوب.

ومن أهم التوصيات التي خرج بها مؤتمر الحوار الوطني السوداني وحوتها الوثيقة الوطنية، اتخاذ كل الإجراءات المطلوبة لتنفيذها بإجراء التشاور اللازم للتوافق مع القوى السياسية والمجتمعية لتكوين آلية لمتابعة وتأكيد تنفيذ توصيات الحوار الوطني العام بشقيه السياسي والمجتمعي، بالإضافة إلى بناء استراتيجية قومية على هدى مخرجات الحوار الوطني العام، في ضوء مخرجات برنامج إصلاح أجهزة الدولة، وما تستلزمه من مراجعة وتعديل للسياسات والتشريعات بما يتسق وهذه المخرجات، وتكوين آلية قومية جامعة لوضع دستور دائم للبلاد على هدى هذه الوثيقة، يحدد معالم البناء الدستوري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي لمستقبل بلادنا، ويحقق الاستقرار للدولة السودانية.

من جانب آخر أكد البروفسير هاشم علي محمد سالم الأمين العام لمؤتمر الحوار الوطني أن الحوار حقق أهدافه من خلال توافق أهل السودان لخلق حكومة العدل والحكم الراشد ونظام سياسي فعال والتوافق لحل كل المشاكل في مناطق السودان المختلفة واشتراكهم جميعاً في الحل وأضاف قائلاً خلال تقديمه لتقرير أداء الأمانة العامة لمؤتمر الحوار الوطني خلال الفترة من 20 أغسطس 2015م وحتى 6 أغسطس 2016م أمام اجتماع الجمعية العمومية بقاعة الصداقة والذي يأتي تحت شعار السودان وطن يسع الجميع، أضاف أن الحوار حقق أهدافه من خلال توافق أهل السودان للجلوس سوياً وكتابة دستورهم وقوانينهم الذي يؤكد ويضمن الحريات والحقوق والعدالة الاجتماعية وتوافق أهل السودان ليجلسوا سوياً لكتابة القوانين والإجراءات لإقامة انتخابات حرة تحت إشراف مفوضية مستقلة.

وأوضح الأمين العام إن بناء الثقة أثناء الحوار تم من خلال إطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين وكذلك تحقيق ونشر وبسط الحريات السياسية في إقامة الندوات السياسية للأحزاب والحركات المسلحة وحرية النشر وحرية التعبير في كل وسائل الإعلام وتم كذلك منع خطاب الكراهية وبث خطاب التصالح ونبذ العنف والجهوية والعصبية أثناء الحوار مع وضع كل الضمانات لسلامة أعضاء الحركات المسلحة التي شاركت في الحوار والتأمين والحماية الشخصية لهم ولكل النشطاء الذين شاركوا في الحوار، كما حيا الأمين العام كل الحركات المسلحة التي شاركت في الحوار مما يدل علي روحهم الوطنية العالية.

تطرق الأمين العام في تقريره إلي المشاكل الأساسية التي ناقشها الحوار والتي تمثلت في مسألة السلام وإيقاف الحرب وعلى ماذا يبنى اقتصاد السودان هل علي الزراعة أم الصناعة أم البترول أم التعدين أم السياحة وماهي هوية أهل السودان وتم نقاش سحب كلمة القبيلة من السجلات الرسمية وتم نقاش تقنين وضع الحريات العامة والحقوق الأساسية للمواطن والوطن وتم كذلك نقاش أنظمة الحكم كلها وأي منها يصلح ليحكم به السودان، وتطرق كذلك لنقاط القوة والتي تمثلت في أن الحوار كان سودانياً - سودانياً وانعقاده داخل السودان مع تداول الحضور بحرية وشفافية وأن الذين شاركوا في الحوار (60%) منهم شباب وان مشاركة المرأة كانت بنسبة (35%).

تمثلت التحديات والإشكالات في مشاركة عدد كبير من الأحزاب (76) حزباً و(34) حركة فكان الوصول إلي توافق بين أفكار متباينة أمراً شاقاً وان عملية التأكيد من الوجود الفعلي للحركات المسلحة كان يمر بمراحل عديدة ودقيقة مما يأخذ وقتاً كبيراً مع حدوث أحياناً انقسامات للأحزاب المشاركة والحركات أثناء الحوار مما يأخذ وقتا طويلا لإصلاح بينهم أو تحديد من يحق له البقاء في الحوار وكذلك التداول السالب لبعض الصحف مما كان له الأثر السالب على أعضاء الحوار.


     أشار البروفسير هاشم في تقريره إلي جملة الزيارات التي شهدتها أعمال مؤتمر الحوار الوطني والأمانة العامة للمؤتمر وأنها تأتي تأكيداً للاهتمام بانعقاده وأشار إلي أن الزيارات شملت عدداً مقدراً من سفراء الدول الأجنبية بالخرطوم مجموعات وفرادي كان ابرزها زيارة مجموعات الدول العربية والأفريقية والأوربية والأسيوية والأمريكية وسفراء المملكة المتحدة والولايات المتحدة وكندا واليابان وأثيوبيا وروسيا مضيفا بأنه جاءت وفود من مركز كارتر ومعهد السلام الأمريكي ومؤسسة كونفلت دايميشن ومن اتحاد الجامعات العربية ووفود صحفية من الولايات المتحدة والصين ومصر وتشاد وبلغاريا مبيناً بأن عدد الجهات والشخصيات التي زارت مقر الحوار الوطني للوقوف علي سير أعمال لجانه بلغت (76) ، وأوضح الأمين العام أنه بعد رفع توصيات اللجان للأمانة العامة التحق بالحوار الوطني حركتان مسلحتان هما العدل والمساوة المتحدة بقيادة الفريق بشير آدم السنوسي وحركة الجبهة الشعبية المتحدة بقيادة سيد علي أبو آمنة وكلا الحركتين اطلعت علي توصيات الحوار الوطني ووافقت عليها وأضافت بعض التوصيات.

      وأختتم الأمين العام تقريره مبيناً بأن الحوار الوطني عالج المشاكل والتحديات التي تواجه الوطن وأن الجلوس كسودانيين مع سودانيين وداخل السودان أسرع بالوصول بالحوار وتحقيق كل أهدافه في وقت قياسي كما أن لجان التواصل مع الممانعين ساعدت في إدخال الكثير منهم بالانضمام للحوار، عدم قفل أبواب الحوار منذ بدايته ولفترة طويلة وتوافق المؤتمرين علي التوصيات بنسبه 98% وان عدد (14) مركز من مراكز السلام في الجامعات الأفريقية اعتبرت الحوار الوطني السوداني نموذجا لمبدأ (الحلول الأفريقية للنزاعات الأفريقية) كما أن (8) مراكز سلام إفريقية تتبع لجامعات أفريقية ومن ضمنهم جامعة السلام التابعة للأمم المتحدة أمنت أن تطبق التجربة السودانية في بلدانهم الأفريقية.

جاءت توصيات الحوار محددة للثوابت الوطنية التي يتفق عليها الجميع حتى تكون هادية لوضع دستور يتفق عليه الجميع ليكون مستقبلاً وأملاً لحل جميع قضايا الوطن، وخططاً استراتيجية للنهوض بمستوى الاقتصاد والبنى التحتية والازدهار، وتحقيق التوافق الاجتماعي والتعايش السلمي والرقي الاجتماعي والغايات الكبرى التي ينشدها الجميع.

من المهم تحشيد طاقات الدولة والمجتمع كافة نحو الأهداف العظيمة والغايات الأسمى التي يتفق عليها السودانيون، ويحددون نمط تفاعلها مع عالمها وبيئتها كفاتحة خير وتطور في مسار البلاد لتتجاوز مرحلة الصراع والأزمات الأمنية والظرفية، تتقدم إلى آفاق النهضة الحضارية. نتمنى الخروج بوثيقة تكون بمثابة عهد بين كل أهل السودان إخوة متحابين متعاضدين، والتزاماً من جانبهم بأن يحترموا حقوق بعضهم البعض في الحريات الأساسية التي ضمنها لهم الحوار وسوف يضمنها لهم الدستور، وأن يعملوا على ترقيتها لأنها تعتبر حجر أساس للعدالة والمساواة والديمقراطية في السودان.

نتمنى الخروج بوثيقة أو مخرجات تنظم التشريعات والحقوق ولا تصادرها أو تنقص منها، وتحدد مناهج وأساليب التنوع الثقافي والاجتماعي لهذا الشعب، هذا التنوع الذي يمثل أساسه التماسك القومي وثيقة تحدد كيف يطور الاقتصاد الوطني بهدف تحقيق الرخاء عن طريق سياسات بناءة تهدف لزيادة الزراعة والتعدين وبناء اقتصاد كفء معتمد على أرضه الواسعة وخيراته الوفيرة، فيتحقق التكامل الاقتصادي

آن الأوان لكي يعبر الجميع عن وجدانهم الوطني ليحافظوا على وحدة التراب والشعب، ويتمكن الجميع عبره من تحقيق غاياتهم الوطنية والسياسية والاجتماعية.

هذه مناشدة لكل أهل السودان للاستجابة لهذا التحدي والارتقاء فوق المصالح الضيقة والعصبية والقبلية والجهوية حتى يتمكن الجميع من وضع اللبنة الأساسية لمستقبل أفضل لسودان يكون رقماً في كافة المحافل الإقليمية والدولية، ليجد فيه الجميع حلمه ومستقبله في بناء أمة موحدة متحضرة آمنة متقدمة.

عموماً يظل الحوار الوطني علامة فارقة في تاريخ السودان الحديث لأنه يشكل ركيزة أساسية ونقطة التقاء جامعة لكل مكونات وشرائح المجتمع السوداني في عملية انصهار بوتقي محققاً الاندماج القومي والاستقرار السياسي حفظاً لمكتسبات الدولة السودانية حماية لأمنها القومي وتحقيقا لمصالحها الاستراتيجية في النسق الإقليمي والدولي.

خلاصة تتضمن أهم المرتكزات والمحاور الأساسية لدور الحوار الوطني في تحقيق الاستقرار السياسي في السودان

1- تهيئة البيئة الملائمة لتنفيذ مخرجات الحوار الوطني في أرض الواقع.

2- لا بد أن تكون هناك ثوابت وطنية مرتبطة بالمصالح الاستراتيجية العليا للدولة وأمنها القومي والوحدة الوطنية والاندماج القومي متفق عليها من كل مكونات الشعب السوداني لكي تشكل أرضية مشتركة تمحور دعامة أساسية لتوطين ثقافة الحوار الوطني لحل كافة القضايا والمشكلات التي تواجه الدولة السودانية

3- لا بد أن يتميز الحوار بصفة الاستمرارية والديمومة في كل القضايا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والعلاقات الخارجية وغيرها بحيث يكون هناك تواصل بين الأجيال والأفكار ومواكبة المستجدات التي تطرأ في النسق المحلي والإقليمي والدولي.

4- الاتفاق والتوافق على حل كل المشكلات والقضايا الخاصة بالسودان داخلياً دون اللجوء إلي المجتمع الدولي والتدخل الخارجي.

5- الانعتاق والتحرر من قيود الحزبية والطائفية والقبيلة والجهوية الضيقة ووضع المصالح العليا للدولة في المقام الأول والعمل على تحقيقها بصدق وتفاني وإخلاص النية.

6- بث روح وثقافة السلام والتعايش السلمي والروح الوطنية من خلال الآلة الإعلامية ومنظمات المجتمع المدني وتفعيل الحوار المجتمعي.

7- الاهتمام بوضع دستور دائم يستوعب كل التباين والاختلافات الخاصة بمكونات الشعب السوداني و الذي ينظم طبيعة الممارسة والعلاقة بين السلطات وتحديد النظام السياسي الملائم للسودان.

8- التوافق على إقرار مبدأ التبادل السلمي للسلطة.

9- إصلاح الأحزاب السياسية لأنها تمثل رأس الرمح في عملية الحوار الوطني والتحول الديمقراطي والاستقرار السياسي.

10- معالجة أزمة الثقة بين المكونات السياسية والتاريخية لكي تكون مدخلاً صحيحاً لعملية الحوار الوطني والاستقرار السياسي.

11- ضرورة اعتماد مبدأ الحوار الوطني في تناول ومعالجة وحل مشاكل السودان لتحقيق الاستقرار السياسي

أهم المراجع : -

1 جلولي بوجلطية سمية التحول الديمقراطي: مفاهيم ومقاربـــــات رسالة ماجستير: دراسات اقليمية/ قسم العلوم السياسية. جامعة الجزائر، 2013م

2 احمد علي العسيلي، التحول الديمقراطي في الوطن العربي، مجلة الطليعة، دار الوطن للنشر والتوزيع، العراق،2002 م

3.. مذكرات عبد الماجد أبو حسبو، جانب من تاريخ الحركة الوطنية فى السودان، ج1، الخرطوم: دار صنب للنشر والتوزيع، 1987م.

4 د. يس سليمان المليجي، قضايا التحول الديمقراطي، صحيفة المنار، الكويت، 2010م.

5.. د. عطا الحسن البطحانى، البناء الوطني بين الديمقراطية والليبرالية، مؤتمر أركويت الحادى عشر، الخرطوم: نوفمبر 1988م.

6.. محمد سعيد محمد الحسن، صناعة الحكومات في السودان، (1954م-1996م)، الخرطوم: دن، 1997م، ص 18.

7... د. حيدر ابراهيم على، الأحزاب في السودان، القاهرة: مركز الدراسات السودانية، 2001م.

8.. محمد عثمان أبو بكر، قضية الديمقراطية والتعددية السياسية في إريتريا، (القاهرة: المكتب المصري لتوزيع المطبوعات، 1998م )،.

 9- د. يحي الجمل، الأنظمة السياسية المعاصرة، ( القاهرة : دار النهضة    العربية، 1995 م ).

10 سلافة عثمان عثمان سليمان، ثقافة الحوار ودورها في تطوير التنافس السياسي والتعايش الاجتماعي السلمي في السودان، رسالة دكتوراه غير منشورة، جامعة الزعيم الازهري، 2011م.

11- د عوض أحمد سليمان، الحوار الوطني في السودان مقدمة للتحول الديمقراطي (دراسة استشرافية للنموذج الواقع والتحديات )، ورقة مقدمة لمؤتمر الجمعية السودانية للعلوم السياسية السابع، سبتمبر 2015م.

12. عمر محمد وجدي، التحول الديمقراطي في الوطن العربي، مجلة المستقبل، بيروت لبنان، 2012م

13 د. ادم محمد أحمد عبدالله، الحوار الوطني في السودان (الأهمية والمعوقات)، ورقة مقدمة لمؤتمر الجمعية السودانية للعلوم السياسية السابع، سبتمبر 2015م.

14-. ميرغني النصري، مبادئ القانون الدستوري والتجربة الديمقراطية في السودان (الخرطوم : دون ناشر، 1998م ).

15- د. ثروت بدوي، النظم السياسية، ج2، ( بيروت : دار النهضة العربية، 1990م).

16 - أ.د حسن علي الساعوري :

- ديمقراطية السودان الثالثة، (الخرطوم: مطبعة جامعة النيلين، 2000م ).

17- المركز السوداني للخدمات الصحفية

18- صحيفة الرؤية الإلكترونية 2014 م-2015م-2016م

 19 وكالة سونا للأنباء 2016م

20 صحيفة الوطن 2016م (مقالات وأعمدة – نجيب نور الدين – محمد أمين- لبنى الشيخ)

21. تقارير وندوات مركز دراسات السودان المعاصر

22. صحيفة الصحافة 2015م-2016م

23. رئاسة الجمهورية - مؤتمر الحوار الوطني- الأمانة العامة للحوار الوطنيتوصيات مؤتمر الحوار الوطني الخرطوم : قاعة الصداقة أكتوبر 2016

24. المركز السوداني للخدمات الصحفية

25. مؤسسة البيان الصحفي للصحافة والدعاية والنشر 2016

26. وكالة الأنباء القطرية

 

 

RECENT EVENTS

Prev Next

Featured Publications

Facebook

CONTACT US

Address: St. #3, Amarat, Khartoum, Sudan

E-mail:info@grcsudan.org

Telephone: +249-183-269739

Fax: +249-183-269728

http://www.grcsudan.org