Login

Register

User Registration
or Cancel

The best bookmaker bet365

Best bookmaker bet365 register

Headlines

داعش والتحالف الدولي: وحدة الهدف وتعدد المصالح

أ.د. حسن علي الساعوري

Da’esh and Global Alliances: One Goal, Varies Interests

 

Abstract:

This paper explores the ramifications of the war against the so-called Islamic State which consists of a global alliance with one goal but various interests. Although Da’esh does not represent an established nation, the efforts which have been exerted to terminate it have been slow. The various interests of these nations are the reason why the war has prolonged. 

 

          أسست هذه الورقة، على المعضلة التي أبرزتها الحرب ضد داعش، (الدولة الإسلامية في العراق والشام). هذه الحرب يقوم بها تحالف دولي، لا يقل عن الستين دولة، تتضمن الدول العظمى، ولكن على الرغم من أن داعش، لا تمثل دولة بالمعنى الحقيقي من حيث الاستقرار والقوة العسكرية، إلا أن التحالف الدولي المكون من هذه القوى، لم يستطع حسم الأمر بالسرعة المتوقعة بالرغم من أن ليس هنالك مقارنة أصلاً بين الطرفين، فإن الحرب استطالت لأكثر من عامين. هذه هي الإشكالية التي تحاول الورقة استعراضها، وتوضيح أبعادها ومراميها، وذلك بناءً على فرضية: أن وحدة الهدف واختلاف المصالح، لدى كل المشاركين في الحرب، هي سبب استطالة هذه الحرب. وقد اعتمد الباحث على المنهج الوصفي والتاريخي والقانوني ودراسة الحالة.

 

       كان إعلان دولة الخلافة بقيادة البغدادي، في مناطق الحدود السورية العراقية، (الدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش")، بمثابة "القشة التي قصمت ظهر البعير". أذ لم يكن هنالك شكٌ لدى الولايات المتحدة الأمريكية بعودة مخطط القاعدة وفروعها، بأسماءٍ مختلفة وأساليبٍ جديدة، من الدفاع إلى الهجوم، وإلى تأسيس الدولة، وإعلان الحرب ضد الهيمنة الغربية. قد ساعدها في ذلك الممارسات الوحشية والفظائع البشرية، التي كانت تصدر من تنظيم الدولة الإسلامية: من القتل والتدمير والتهجير، إلى التعذيب وقتل الأسرى بالنار أحياء، كما حدث للطيار الأردني. فكانت النتيجة إعلاناً لحرب على تنظيم الدولة الإسلامية، بتحالفٍ دولي ضم حتى الدول العربية والإسلامية. لماذا كل هذا التوجس الذي يصل درجة الرعب؟ ما هي الانعكاسات الأمنية لتقدم الدولة الإسلامية؟

       الإجابة على هذين التساؤلين تتمثل في أن أحداث سوريا والعراق، أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك، عودة أهداف تنظيم القاعدة، ولكن بواسطة تنظيم جديد يقوم على فروع وبعض عضوية القاعدة، وهو تنظيم الدولة الإسلامية. هذه عودة لا كسابقتها: التي كانت تقوم بضرب العدو في عقر داره، وإنما السعي لإقامة الدولة، وسلطة الدولة المخطط لها التمدد في كل العالم الإسلامي، والتي تستهدف بعد ذلك، المواجهة المباشرة مع كل من يقف حجر عثرة في سبيل إقامة دولة الخلافة العالمية. تمثل هذه الحقيقة أبعاداً أمنية على مستوى كل دولة، وعلى المستوى الإقليمي، وعلى المستوى الدولي بعد ذلك، إذ أن خطورتها تتعدى الحدود، فيتأثر بذلك الأمن القومي، والأمن الإقليمي، والأمن الدولي. مما جعل هذا الأمر جلياً بوجود القاعدة في العالم كله، سواءً كان ذلك وجوداً معلناً، أو وجوداً خفياً في شكل خلايا نائمة. الوجود المعلن اليوم في سوريا والعراق وأفغانستان (طالبان)، وفي سيناء (مصر) وليبيا، وشباب المجاهدين في الصومال وبوكو حرام في شمال نيجيريا، وولاية أنصار الشريعة في ليبيا: أما التي لا تتحرك علناً، فمعروفة في كل من: الجماعة السلفية للدعوة والجهاد الجزائرية، وإمارة الصحراء في المغرب العربي، وفي اليمن وفي أوزبكستان، والمجاهدين في تركستان (الصين)، والمجاهدين الأتراك، والخلايا النائمة في أوروبا وأمريكا، أو العائدين من ميادين القتال الدائر في سوريا والعراق (2014-2016م).

       هيأ الصراع السياسي خلال الربيع العربي (2011-2012)، ظروفاً مواتية لتنشيط ما كان نائماً من خلايا القاعدة المنتشرة هنا وهناك. السيطرة على إقليم وإعلان دولة الخلافة من على أراضيه مما يغري الآخرين بالتحرك النشط، مثل ما أُعلن في مصر بواسطة جماعة بيت المقدس في سيناء. هكذا تمثلت خطورة مرحلة الانتقال إلى مرحلة إعلان الدولة، وإعلان تنظيمات الدول الأخرى فروعاً لها. وتأتي الخطورة من توجيه قيادة القاعدة لثوار الربيع العربي، بأن لا يكتفوا بتغيير الحاكم الفاسد، وإنما تستمر ثورتهم حتى يتغير النظام الفاسد، ويستبدل بالحكم الإسلامي. فتبدأ الخطورة قومية داخل كل قطر، ثم ينعكس ذلك إقليمياً وعالمياً في ذات الوقت. كل النظم السياسية القائمة في العالم العربي تشعر بهذه الخطورة، وخاصةً دول الخليج العربي المهددة بتفجير ما لديها من بترول نكايةً في دول الغرب وأمريكا. فكان الاهتمام الأول من أمريكا، ومن بعدها أوروبا، ثم شيئاً فشيئاً الدول الإقليمية الأخرى، ومن بعدهم من لف لف هؤلاء أو لف أولئك.

       يعني نجاح تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، واستهدافه ضم سوريا بواسطة جماعة النصرة، ثم الزحف على فلسطين ولبنان وإسرائيل. ذلك معناه تفجير صراع جديد مع إسرائيل... صراع دولي تخوضه كل قوى القاعدة المنتشرة في العالم أجمع، بما في ذلك أوروبا وآسيا وأمريكا. لذلك، كانت العجلة في إعلان التحالف الدولي، والمشاركة الفعلية للجيوش الدولية في العمليات العسكرية ضد دولة الخلافة المعلنة: والتي بدأت بالقصف الجوي، وعندما لم يشف ذلك غليلاً بدأ التفكير في الغزو البري. ولكن الهواجس الأمنية ارتفعت معدلاتها بالصراعات في ليبيا، وفي اليمن، وفي نيجيريا، وفي شرق أفريقيا. بدأت كل النظم السياسية في المنطقة، تشعر بالخطر الماثل أمام وجودها، وبصفةٍ خاصة، الدول الملكية في الخليج العربي – وهي دول البترول المهددة بخطط التفجير لكل الاحتياطي النفطي الموجود الذي يساعدها على البقاء، والذي يدفع الغرب للدفاع عنها.

       عالمياً تنداح الخطورة أما بواسطة الخلايا النائمة، المكونة من مسلمين وأوربيين وغيرهم، أو بواسطة العائدين من عمليات القاعدة العسكرية. فبدأت النداءات للتعاون بين شبكات الأمن القومية، لتبادل المعلومات في مطاردة كل من يظن بأن له صلة بجماعات القاعدة. ذلك، لأنه من الواضح تطابق المصالح: مصلحة كل حكومة في البقاء، ومصلحة الجيران في عدم امتداد العدوى إليهم، وبالتالي المصلحة الإقليمية أمنياً، وأخيراً المصلحة الدولية في استقرار مناطق الموارد الاستراتيجية كالبترول، أو المواقع الاستراتيجية كالممرات المائية، في خليج باب المندب بعدن، وفي الخليج العربي، وفي مضيق جبل طارق. فتطابقت المصالح السياسية قومياً وإقليمياً مع المصالح الأمنية دولياً... وهي مصالح الأمن القومي، الممتد خارج حدود الدول العظمى، والدول المتنافسة لدخول النادي العالمي للقوة. الأمن القومي لهذه الدولة قد يتعارض مع الأمن القومي لتلك، بينما التحالف بين هذه الدول. لتحقيق هدف واحد، قد يؤدي إلى مصالح مختلفة، وأحياناً مصالح متعارضة. الحرب الدولية على داعش توضح هذه المعضلة.

       انفعلت القوى المحلية والإقليمية والدولية، بإعلان دولة الخلافة الإسلامية، في زمن كادت فيه ثورة الربيع العربي أن تسقط نظام الأسد في سوريا. فكانت النتيجة محلياً، ما يشبه الحرب الأهلية في سوريا، التي استنجدت بحلفائها الطائفيين (الشيعة) في لبنان وإيران. وفي جانب آخر اتضح أن هناك تدخل إقليمي ودولي: ناصرت تركيا ثوار سوريا، وكذلك دول الخليج وأصدقائها من الدول العربية كالسودان.

       وفي الجانب الشرقي، (العراق حيث الموصل عاصمة دولة الخلافة)، استشرى القتال بواسطة الجيش العراقي، والحشد الشعبي وبشراكة كردستان، تدعمهم إيران دعماً كاملاً، وتدعمهم أمريكا عتاداً وسلاحاً، وخبراء من بضعة آلاف جندي.

       وعندما استطال الصراع والمعارك دون نتيجة، أعلن التحالف الدولي ضد الإرهاب (باسم الإسلام) ضم التحالف أمريكا والصين وروسيا وأوروبا وعدد من الدول الإسلامية غير العربية، كباكستان وماليزيا. فاستعمل سلاح الجو الأمريكي والأوروبي والروسي، بالإضافة إلى سلاح جو العراق وسوريا – ذلك حلف ضم ما لا يقل عن ستين دولة، ولكن معظمها لم تشارك فعلياً في العمليات الحربية، ولكن بكل تأكيد تشارك في العمليات الاستخباراتية الدولية، ضد تحركات عناصر داعش، التي مدت أذرعها إلى داخل المدن الأوروبية والأمريكية في عمليات محدودة. يفترض في تحالف من هذا المستوى، أن يستطيع حسم المعارك وإسقاط "دولة الخلافة" الوليدة، ولكن النتيجة لم تكن كذلك. السبب تداخل وتناقض الأهداف التي من أجلها تحرك المتدخلون، على كل المستويات المحلية والإقليمية والدولية.

       محلياً تعددت القوى المسلحة في كل من سوريا والعراق. وفي سوريا توحدت الأهداف الخاصة بهزيمة داعش ودولتها، بينما تناقض ذلك مع قوى الثورة المكونة من عدة جماعات سنية، تحارب لإسقاط نظام الأسد لأنهم لا يعتبرونه مستبداً وفاسداً فقط وإنما نظام طائفي يعتمد على العلويين، الذي تربعوا على كل مفاصل الدولة. الجيش السوري المدعوم بالعلويين والجماعة الكردية، همهم بقاء النظام أولاً، ثم تأتي حرب داعش في جزء من أراضيها في المرتبة الثانية. أما الثوار بجماعاتهم المتعددة، فهمهم الأول إسقاط النظام، وتأتي داعش في المرتبة الثانية. لا يختلف الحال داخل العراق كثيراً. فالحكومة ذات الأغلبية والهوى الشيعي، تستهدف مناطق السنة لثارات طائفية، ويدعمها في ذلك، ما يسمى بالحشد الشعبي، الذي يقوم بأعمال بشعة وفظائع من جنس فظائع داعش. فالأمر هنا السنة من حيث هم، ما دام أن الجماعات المسلحة العراقية هذه في تحركها الأول كانت حمايةً للسنة. من ناحية أخري فإن جماعة البشمرقة في كردستان العراق، تركز أولاً على تحقيق أهداف كردية، قد تكون امتداداً لرقعتهم على الأرض، مثل كركوك والموصل (عاصمة داعش)، وقد تكون وضع حجر أساس لإعلان دولة كردستان المستقلة.. وذلك حلُم قديم. الدليل على ذلك، إعلان رئيس الوزراء العراقي، بأن خروج البشمرقة من هذه الأراضي بعد التحرير أمر ضروري. فيجيء الرد من قبلهم، بأن اتفاق الأمريكان معهم، أن لا ينسحبوا مما يحرروه من أراضي. مما يشير إلى تدني درجة الثقة بين الطرفين، إذ أن هاجس انفصال الأكراد، هاجس تاريخي منذ عهد صدام حسين. إذن هنالك أهداف أخرى غير تحرير الموصل من داعش: مثل ترسيخ سلطة الشيعة، والوضع الخاص للأكراد وزيادة رقعتهم الأرضية وإقصاء الآخرين عند سقوط النظام.

       إقليمياً، تعددت الأهداف وتناقضت، أو على أقل تقدير اختلفت الأولويات في العمليات الحربية. تلك هي أهداف كل من: تركيا وإسرائيل وإيران ودول مجلس التعاون الخليجي ولبنان. في لبنان انقسم الرأي العام، بين مؤيد للثورة السورية ومعارض أو محايد. السنة مع الثورة لإسقاط النظام، والشيعة مع المحافظة على سلطة الطائفة العلوية، ليس إعلان موقف فقط كما فعل السنة، ولكن فعلاً بالمشاركة في العمليات الحربية، بواسطة حزب الله بكل عتاده وعدته وجنوده. ولولا هذا الدعم العسكري منذ أيام الثورة الأولى، لما بقي نظام الأسد. أما الحكومة اللبنانية فظلت محايدة، مع النداء إلى حزب الله بعدم العمل على استشراء الحرب في لبنان نفسها. إذن، كان لحزب الله اللبناني، دوُر كبير في الدفاع عن النظام العلوي في سوريا – لم يكن هدفه استئصال داعش، ولكن استمرار حكم طائفة العلويين، ولهذا ناصب جماعات الثوار العداء لا جماعة النصرة، شريك دولة الخلافة. ذلك لأن التهديد الأساس للنظام كان من جانب هؤلاء.

       أما على الحدود الغربية لسوريا، فكانت أهداف إسرائيل مختلفة تماماً عن ما كان في لبنان. تدنت درجة الهاجس الأمني الإسرائيلي إزاء سوريا، بعد احتلالها لهضبة الجولان، ولم تعد سوريا تشكل تهديداً يذكر منذ 1967م. على الرغم من أن إعلام نظام الأسد (الأب والابن)، كان معادياً لإسرائيل، إلا أنه في الواقع، كان في حالة سلام غير معلن عنها. وبالتالي إن سقوطه يعد مغامرة غير محسوبة العواقب، ففي بقائه خيُر لإسرائيل، ولكن وحسابات إسرائيل تقول يستحسن المحافظة عليه، ولكن في حالة عسكرية أضعف مما كان. فتكون استراتيجيتها استمرار الصراع المسلح فيها لأطول مدة ممكنة.

       على الحدود الشمالية السورية يأتي الدور التركي في الصراع المحلي الإقليمي الدولي. بدأت الثورة في سوريا مع التوجه التركي الجديد في تعامله مع العرب: البحث عن الوجود الذي كان قد انبت بنهاية الخلافة العثمانية. لذلك كان من الطبيعي أن تنفعل بأحداث الثورة المطالبة بإسقاط النظام واستبداله بنظام ديمقراطي... فأعلنت التأييد والسند للثوار قبل أن تعلن دولة الخلافة "داعش". واستمر هذا الدعم الإعلامي والمادي (إلى حد) حتى بعد ظهور إعلان سلطة داعش في المنطقة الشمالية الشرقية من سوريا، والشمالية الغربية من العراق، وهي منطقة تضم أكراد العراق وسوريا. فاستطالت الحرب الأهلية بدخول الجماعات المسلحة لداعش، في صراعٍ مسلح مع ثوار إسقاط النظام السوري. فاختلفت الأهداف بين الفريقين، إذ أن داعش تريد أن ترث نظام الأسد، وبسط نفوذ دولة الخلافة على كل الأرض السورية، بينما رواد الثورة يستهدفون إقامة سوريا الديمقراطية. فانحازت تركيا ضد داعش، مواكبةً للمواقف الدولية والإقليمية. أما نظام الأسد، فقد استعان داخلياً بالأكراد في الشمال السوري – أي في الحدود التركية. وهي جماعة دخلت الحرب ضد ثوار إسقاط النظام وضد داعش، ولكن لأهداف كردية تتعلق بتحقيق أحلام الاستقلال. ذلك ما أصبح يشكل هاجساً لتركيا، لأنها متفرقة في صراع مع الأكراد داخل حدودها والذين بدورهم يحلمون أيضاً بالاستقلال، وإقامة دولة كردية مستقلة. إذن، أضاف هذا الهاجس هدفاً جديداً لتركيا ليكون تدخلها عسكرياً ضد "داعش" إعلاناً، وضد نظام الأسد واقعاً. فكان الوجود العسكري التركي في العمليات العسكرية، وفي حملة تحرير الموصل، بحجة حماية المسلمين السنة، من محاولات الإبادة التي تقوم بها مليشيات الحشد الشعبي العراقي (لشيعي الانتماء). فتعددت الأهداف وتناقضت أحياناً. ذلك مما أطال الحرب.

       أما مركز الحزام الشيعي شرقاً، فكان فيه انفعال إيران بالقضية السورية من أول أيامها، بسبب التشابه في الطائفة الدينية – سلطة العلويين في سوريا سلطة شيعية يتوقع أن تقود الزحف الشيعي في بقية الدول العربية، بعد جنوب لبنان. فلما عجز النظام السوري وظهيره حزب الله، من حسم المعركة، قررت إيران التدخل العسكري، عتاداً وجنوداً ثم إعلاماً. خاصة أن ظهور داعش أعطى إيران مبرراً إضافياً، للمشاركة العسكرية بكل أشكالها، ما دام أن العالم كله قد اعتبر داعش إرهاباً دولياً، واجب الاستئصال. فأصبحت جزءاً من التحالف الدولي، الذي جعل لمشاركتها العسكرية غطاء أخلاقياً لا طائفياً، ولكن الهدف الأساسي هو بقاء نظام الأسد وسلطة العلويين.

       خليجياً، الهاجس الأمني من امتداد الشيعة من العراق إلى سوريا فلبنان فاليمن فالخليج العربي، جعل دول مجلس التعاون الخليجي بقيادة السعودية لا تتردد، على الإطلاق، في مساندة الثورة الساعية لإسقاط نظام الأسد. فكان قرار الجامعة العربية ضد إرهاب الأسد لشعبه، وكان الدعم المادي والإعلامي للثوار: الخوف من سلطة الشيعة المتنامية، والتي بدأت تحرض الأقليات الشيعية في دول الخليج. ثم جاء إعلان داعش كالصاعقة على هؤلاء، لأنه يخلق هاجساً أكثر قوة من هاجس الامتداد الشيعي، ذلك هو امتداد الخلافة الإسلامية إلى كل بلاد المسلمين، والدول العربية بصفةٍ خاصة. يرسخ هذا الهاجس وجود خلايا نائمة منبثة في هذه الدول، وقد أعلن بعضها ولاءه لداعش. وبالتالي، فإن الأمر انتقل إلى تهديد السلطات القائمة في هذه الدول. فأصبح هاجس البقاء والوجود هماً، وتبع ذلك تحريك الهدف الأول للمرتبة الثانية وتقديم محاربة داعش واستئصالها، وإعلان الحلف الإسلامي تطابقاً مع التحالف الدولي.

       إجمالاً، يمكن القول بأن الحرب ضد داعش إقليمياً، تمثل مصالح مختلفة للمشاركين في التحالف، ألا وهو: إسقاط نظام الأسد، وامتداد الحزام الشيعي في الشام، وحماية الأنظمة المجاورة، وإيقاف النفوذ الإيراني، واستبدال نظام الأسد بنظام ديمقراطي. ومعروف أن اختلاف المصالح الناتجة من الانتصار (المرغوب) يضعف قدرات هذا التحالف.

       دولياً، جاء التدخل العسكري، من كل من روسيا وأمريكا والاتحاد الأوربي، (فرنسا وألمانيا وبريطانيا). حيث تدخلت روسيا في العمليات الحربية في سوريا لهدفين اثنين، الأول معلن صراحةً والآخر خفي. الهدف المعلن هو حماية نظام الدولة الصديقة بعلاقاتها العميقة تاريخياً. أما الهدف الخفي فهو الحلم الروسي القديم، ألا وهو وجود موطئ قدم في المياه الدافئة للبحر الأبيض المتوسط، فيفتح لأساطيلها الباب وكذلك قواعدها العسكرية في الموقع الاستراتيجي للشرق الأوسط. وحقيقةً فإن الهدف الخفي هذا، هو الأصل في التدخل العسكري الروسي. إذ لم يكن الهاجس الروسي ذا علاقة بإعلان داعش، ولكن العلاقة بحماية النظام الذي سمح له بوجود يفتح له أبواب النفوذ هنا وهناك. لذلك كانت عملياته الجوية ضد الخطر الحقيقي على النظام: جماعات الثوار المسلحة، فأصبح معظم القصف الجوي في مواقع هؤلاء، لا مواقع داعش، والمبرر المعلن حرب الإرهاب، كما جاء في مبررات التحالف الدولي. إذن، فإن للروس أولوية هي بقاء نظام الأسد، ويأت خطر داعش لمرحلة ما بعد البقاء.

       أما مشاركة أوروبا في التحالف، ومن ثم محاربة داعش، فناتجة عن الخوف من انتشار الشرارة، شرارة الحرب إلى أراضيها. ذلك لأن عدداً من الخلايا النائمة في الدول الأوروبية، قد اكتشفت، وأن بعضها نفذ عمليات بالفعل في فرنسا وألمانيا وبريطانيا، وبلجيكا. المشاركة في الحرب ضد داعش أصبحت واجباً مقدم على إسقاط نظام الأسد، الذي كان معلناً منذ بداية الثورة السورية المسلحة. غاب هدف إسقاط النظام الديكتاتوري المستبد، وسط ضجيج داعش وعملياتها الفردية هنا وهناك. ولا يدري أحد إن كانت الحسابات تشير إلى أن لأهداف ثورة الربيع العربي باق في التفكير الأوروبي بعدما فشلت في كل من مصر وليبيا واليمن، ولا يدري أحد، كذلك، إن كان الوجود الروسي في المنطقة، يمثل هاجساً استراتيجياً، يجعلها تواصل الحرب من بعد داعش لتغيير النظام الذي سمح بهذا الخطر.

       أخيراً، جاء التدخل الأمريكي غامضاً إلى حد بعيد: غامضاً في العراق، وغامضاً في سوريا. مما أبرز عدة تساؤلات ما هي الأهداف الأمريكية للتدخل في هذه الحرب؟ وإلى أي مدى كانت أمريكا صادقة بتطابق المواقف والأفعال؟ لا تريد أمريكا إعادة التجربة السابقة بالتدخل العسكري المباشر في العراق، ولكنها أرادت أن تكتفي بالخبراء والاستخبارات. أما في سوريا، فكان إعلانها المبدئي ضد إرهاب الدولة السوري، ومن ثم المطالبة بذهاب الأسد. وفي هذا تناغم مع مواقف حلفائها في تركيا والخليج العربي. ولكنها لم ترتفع إلى مساعدة الجماعات المسلحة، لا في مجال التسليح ولا مجال الاستخبارات. الأهداف الأمريكية في حرب سوريا متعددة، وفيها الصريح وفيها الخفي. الموقف الصريح والمعلن تأييد الثوار لإسقاط الأسد، ثم تطور ذلك إلى استبدال النظام بنظام يستوعب المعارضة. كان ذلك واضحاً في مشاركتها في المفاوضات التي قادتها الأمم المتحدة لإيقاف الحرب، عبر مصالحة بين الأسد والمعارضة المسلحة... أي أن موقفها تعدل، من استبدال نظام الأسد بنظام جديد، ديمقراطي إلى تعديله ليستوعب المعارضة. ولما أوشك الثوار على إسقاط النظام تدخلت روسيا بسلاح الجو ضد المعارضة. كان المتوقع أن يدفع التدخل العسكري الروسي أمريكا، بأن ترفع من معدلات تأييدها إلى الدعم العسكري، ليس فقط بالقصف الجوي واصطياد بعض القادة من داعش، وإنما بالسلاح الحديث والعتاد العسكري. بيد أن ذلك لم يحدث إذ لم تشعر أمريكا بأن التحرك الروسي استراتيجياً، معناه مشاركتها في المنطقة العربية. تحولت الحرب، عند أمريكا، من محاولة إسقاط نظام مستبد، إلى إسقاط دولة الخلافة (داعش). إذن، اختلطت الأوراق وتقاطعت الأهداف المعلنة. أما الأهداف الخفية لأمريكا، فكانت أمن إسرائيل قبل كل حساب. باعتبار أن إسقاط نظام الأسد المهادن لإسرائيل، قد يعقبه نظام غير متعاون على أقل تقدير. ولما كان البديل إما داعش، وإما جماعات الثوار ذات المنطلقات الإسلامية، فإن ذلك يمثل تهديداً لأمن إسرائيل في مقبل الأيام. وبالتالي ترجح أمريكا استطالة الحرب لإنهاك الطرفين، ثم الإجهاز عليهما من بعد ذلك، حتى لا تقوم لهما قائمة في المستقبل.

       بذلك تضيع قضية الاستبداد السياسي للحكم الطائفي في سوريا، وكأن داعش خلقت أصلاً لهزيمة ثورة الربيع العربي في سوريا. كانت مواقف دول العالم، والدول الإسلامية بصفٍة خاصة، مع نجاح عملية إسقاط نظام الأسد. وكانت الدول العربية، وخاصةً الخليج، تستهدف ذلك خوفاً من الامتداد الشيعي، الممتد من العراق إلى سوريا ولبنان ثم اليمن، ليكتمل الحزام محورياً ثم يزحف شيئاً فشيئاً إلى المركز – المملكة العربية السعودية ومن بعدها – دول الخليج. في حساب هذه الدول، أن داعش أكثر خطورة من الجماعات السورية الأخرى. فكان التحالف المعلن ضد قيام الدولة أساساً، وضد الفكر الديني المتطرف ثانياً. وبالتالي، فإن للمشاركة الدولية في الحرب ضد داعش، مصالح تختلف من مشارك إلى آخر، عند التمكن من استئصال داعش. تمثل هذا في: تأمين نظام الأسد، وتأمين سلطة الشيعة في العراق، ودعم الأكراد في الدولتين لتحقيق بعض أهدافهم، وإضعاف الدول العربية التي يمكن أن تهدد الأمن الإسرائيلي، وتكريس الصراع السني الشيعي في المنطقة العربية، وإبعاد شبح إسقاط النظم العربية، والتمكن من المواقع الاستراتيجية، وأخيراً العمل على إيقاف موجات الهجرة غير الشرعية، بما في ذلك عمليات داعش الفردية داخل الدول الأوروبية.

       هكذا توحدت دول العالم... وهكذا نشأ تحالف سماه البعض بالإسلامي... وهكذا تضاربت المصالح الإقليمية، كما اختلفت المصالح المحلية في سوريا والعراق – سواء كانت مصالح النظامين، أو المعارضة المسلحة. توحدوا جميعاً لهزيمة داعش، وتحرير الأراضي السورية والعراقية، ولكن لكل فريق مصالح مختلفة من الفريق الآخر... وقد تتناقض هذه المصالح، فيصبح هنالك صراع خفي بين هذه القوة وتلك، أو بين هؤلاء وأولئك، فتكون النتيجة ضعف الفاعلية الحربية، وبالتالي استطالة الحرب، فتتضاعف الخسائر والتكاليف. معنى ذلك، أن تحقيق الهدف العام فيه محدودية التحالف الدولي، ولذلك لا يتوقع أن يكون هنالك مستقبل لاستمرار التحالف، إلا إذا استمرت العمليات الفردية التي لا تستدعي تحالف حرب، ولكن تحالف استخباري عالمي.

 

المراجع:

1.   أبن لادن بعبع أمريكا والملف الأحمر للظواهري، (كنوز للنشر والتوزيع، 2009م).

2.   رابحة ستيف علا، كشف حساب التحالف الدولي لقتال داعش: ما الجدوى؟ مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية: www.acpssahram.org.eg  12/8/2016م.

3.   شمس الهدى إبراهيم، الثورات العربية حقيقة التغير وقسوة التنحي (الخرطوم: مطابع العملة، 2011م).

4.   عبد الباري عطوان، الدولة الإسلامية: الجذور.. التوحش.. المستقبل، (بيروت: دار الساقي، 2015م).

5.   عبد الرحمن عبد اللطيف، مستقبل التنظيمات الجهادية: تنظيم القاعدة نموذجا، بحث تكميلي لدرجة الماجستير في العلاقات الدبلوماسية، أكاديمية السودان للعلوم (الخرطوم).

6.   فؤاد حسين، الزرقاوي، الجيل الثاني للقاعدة: دراسة منهجية ونقدية، (دون ناشر، 2005م).

7.   محمود سمير الرنتيسي، "المتغيرات الإقليمية والدولية وخيارات السياسة الخارجية التركية" ورقة قدمت في منتدى مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية، 16/12/2015م.

 

8.       المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، "حدود التدخل العسكري الروسي في سوريا وآفاقه" منتدى 22/9/2015م.

RECENT EVENTS

Prev Next

Featured Publications

Facebook

CONTACT US

Address: St. #3, Amarat, Khartoum, Sudan

E-mail:info@grcsudan.org

Telephone: +249-183-269739

Fax: +249-183-269728

http://www.grcsudan.org