Login

Register

User Registration
or Cancel

The best bookmaker bet365

Best bookmaker bet365 register

Headlines

المفهوم الاستراتيجي الجديد لحلف شمال الاطلسي

د/ الرشيد محمد ابراهيم 
استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية

د/ الرشيد محمد ابراهيم 
استاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية

البيئة السياسية الدولية

البيئة السياسية الدولية

لم يولد حلف شمال الاطلسى فى عام 1949م من فراغ وانما جاء استجابة لمواجهة تحديات كبرى برزت على الساحة الاوروبية فى اعقاب الحرب العالمية الثانية كما ان تلك الولادة ارتبطت بمستوى التفكير والادراك الاوروبى والامريكي لمظاهر الخطر الامنى الجديد المتمثل فى تحول الاتحاد السوفيتى الى قوة عظمي ذات قدرات عسكرية هائلة متسلحة بايدلوجية عالمية متناقضة تماما مع مفاهيم الغرب وقيمه وقد اتخذت التحديات مستويات عدة اولها المستوى الايديولوجى فالتحدى الشيوعى لقيم الغرب ومفاهيمه كان موجودا منذ عهد نجاح الثورة الشيوعية فى روسيا عام 1917م لكنه لم يشكل خطورة على الامن الاوروبى لان الاتحاد السوفيتى كان منشغلا فى فترة ما بين الحربين بتدعيم نظامه الداخلى ووضع المرتكزات الاساسية للتحول الاشتراكى فاتبع على الصعيد الدولى سياسة العزلة وعدم الاهتمام بالشؤون الاوربية فضلاً عن ان الاوربيين كانوا منشغلين فى كيفية مواجهة النزعات المتطرفة والدكتاتوريات التى اخذت تظهر فى المانيا وايطاليا وكانت سببا مباشراً لقيام التحالف الغربى السوفيتى فى الحرب العالمية الثانية.

 

بعد انتهاء الحرب والقضاء على النزعات الفاشية والنازية فى اوربا اصبحت الشيوعية الخطر الاول على الامن الاوربي بسبب الطريقة التى وظف فيها السوفيت هذه الايديولوجيا لخدمة اغراضهم الاقليمية والعالمية والمتمثلة فى استغلال وجودهم العسكرى فى بلدان وسط وشرق اوربا من اجل اقامة انظمة حكم شيوعية فيها وجعلها خاضعة لها كلياًوكانت غايتهم فى ذلك اقامة منطقة عازلة تثبت نفوذهم فى اوربا وتكون بمنزلة قاعدة متقدمة لنشر الشيوعية فى اوربا الغربيةاو فى البلدان المحازية لها وذات الاهمية الحيوية لمصالحها وهكذا اوجد السوفيت بهذا العمل اول تقسيم فى اوربا وهو التقسيم الايديولوجى لان الدول الغربية لم يكن امامها لردع النزعات الايديولوجية التوسعية للاتحاد السوفيتى الا التفكير فى اقامة نظام دفاعى جماعى مع واشنطون التى كانت تحتكر السلاح النووي انذاك.

ثانيا : المستوى السياسى فقد برزت بعد الحرب مشكلات سياسية معقدة اهمها مشكلة تحديد المستقبل السياسي لشكل القارة الاوربية بشكل عام ومشكلة التحديد السياسي لمستقبل المانيا بعد سقوط النازية اذ كانت الدول الغربية ترغب فى العودة باوربا الى شكلها السياسي قبل الحرب اي دون تقسيمات للدول الخاسرة  وانسحاب الجيوش من اراضيها حتى تختار نظمها السياسية بشكل ديمقراطي فى حين اصر السوفيت على ان شكل القارة السياسي يتحدد وفق موقع الجيوش المنتصرة وجاء اقدامهم على اقامة منطقة عازلة ايديولجياً فى وسط وشرق اوربا بمنزلة احباط مسبق لاي مفاوضات سياسية بهذا الموضوع مما دفع الغرب الى التمسك بانظمتهم السياسية الليبرالية.

اما بصدد المانيا فقد رفض السوفيت اي تغيير فى شكل النظام الشيوعي لالمانيا الشرقية واستغلوا وجودهم العسكرى هناك بفرض حصار علي برلين عام 1948م بغية ابعاد الغرب عنها واجبارهم على الاعتراف بسيادتها وعندئذ اقتنع الغرب بان مسالة توحيد المانيا ثم اوربا هو هدف بعيد المنال لان الموقف السوفيتى لن يتغير وان المانيا الغربية يجب ان تبقى دولة فيدرالية ديموقراطية مدعومة من قبلهم بغرض عزل الاتحاد السوفيتي ومنعه من مهاجمتهم عبر وسط اوربا وهكذا ظهر ثاني انقسام في اوربا وهو الانقسام السياسي .

أما المستوي الثالث من التحديات فهو المستوى الاقتصادي حيث واجهت معظم دول غرب اوربا بعد الحرب معضلات اجتماعية واقتصادية كبرى مثل البطالة والتضخم وانهيار مستويات الانتاج وتحطم بناها التحتية فاصبحت فريسة سهلة لمنطق الدعاية الشيوعية ومن اجل منع ذلك جاء مشروع مارشال فى عام 1947م لاعادة اعمار اوربا وتحسين مستوى معيشة مواطنيها وبلغت التخصيصات الامريكية لهذا المشروع 17 مليار دولار للفترة 1947_1952م.

غير ان المشروع كانت له اغراض اخرى من بينها تحويل اوربا مجتمعة الى سوق للمنتجات الامريكية مما يقوي من نفوذ واشنطون على حساب الاتحاد السوفيتى وبخاصة فى وسط وشرق اوربا لان المشروع كان يشجع هذه الدول على الانضمام اليه شريطة اجراء تغيرات فى نظمها الاقتصادية وجعلها خاضعة للرقابة الامريكيةانه مثل الاداة غير العسكرية لسياسة الاحتواء المتضمنة احاطة السوفييت بسلسلة من الاحلاف والقواعد العسكرية لمنع انتشار الشيوعية فى اوربا والمناطق القريبة منها مثل تركيا واليونان والمناطق الرخوة فى العالم الثالث وخاصة دول الشرق الاوسط وجنوب شرق اسيا لمنع السوفيت من اقامة علاقات سياسية واقتصادية مع دول هذه المناطق قد تكون مقدمة لبسط نفوذهم فيها لهذا اعتبرت موسكو المشروع تهديداً لنفوذها فى شرق ووسط اوربا وردت عليه بانشاء مكتب الاستعلامات الشيوعى (الكومينكوم) فاوجد بذلك ثالث انقسام فى اوربا وهو الانقسام الاقتصادى .

يتمثل التحدى الاخير فى المستوى الامني وهو يعد اخطر التحديات التى واجهت دول اوربا الغربية بعد الحرب لانها فى الوقت التى كانت تعانى فيه من  تردى اوضاعها الاقتصادية والاجتماعية وتحطم معظم قواتها العسكرية فان الاتحاد السوفيتى خرج من الحرب وهو يمتلك ما يقارب 175 فرقة عسكرية ما زالت مشبعة بحرارة الحرب وذات خبرة قتالية عالية وقامت استراتيجيته العسكرية فى هذه الفترة على التمهيد بالانتقام من دول اوربا الغربية اذا ما اقدمت الولايات المتحدة الامريكية على ضرب الاتحاد السوفيتى نووياً لانه لم يكن قد انتج السلاح النووي بعد .

 في ظل هذا الوهن العسكري لتلك الدول وانكشافها امام القوات السوفيتية قامت كل من بريطانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا ولكسمبورج بتوقيع اتفاقية بروكسل للامن الجماعي فى عام 1948م والتى شكلت اساس الترتيبات الدفاعية الاوربية بعد الحرب فى مواجهة القوة السوفيتيةلقد ولدت اتفاقية بروكسل ميتة ان صح التعبير ليس بسبب ضعف القدرات العسكرية لتلك الدول الموقعة عليها ازاء القوة السوفيتية فحسب بل لانها ضمت دولاً يقع معظمها فى شمال اوربا مما يعطى السوفيت فرصة كبيرة للمناورة ومفاجاتها بشن هجوم واسع عليها من وسط اوربا عبر المانيا التى لم تنضم الى الاتفاقية والوصول به الى القنال الانجليزى ولذلك اصبحت تلك الدول مقتنعة بان مواجهة القوة السوفتية تتطلب قوات حليفة كبيرة وذات عقيدة قتالية موحدةفاتجهت انظارها الى التحالف مع الولايات المتحدة الامريكية التى كانت هى الاخرى تسعى لتثبيت نفوذها السياسى والاقتصادى فى اوربا بما يضمن مصالحها ويسد الفراغ الامنى الناجم عن انكشاف دول اوربا الغربية امام القوة السوفيتية وهذا ما شجع واشنطون ودول اتفاقية بروكسل لتحويلها الى حلف الاطلسى عام 1949م وبذلك حصل الانقسام الرابع فى اوربا وهو الانقسام الامني والعسكري .

  اما على صعيد التفكير والادراك الاوربي والامريكى لمظاهر الخطر الامنى السوفيتى فأن الاوربيين كانوا مقتنعين بان هذا الخطر يتركز اساساً فى اوربا وانهم المستهدفون منه سياسياً وعسكرياً ، سياسياً لان السوفيت كانوا يستهدفون بسط هيمنتهم المطلقة علي وسط وشرق اوربا وعزلها عن الغرب وان تطلب ذلك استخدام القوة اما عسكريا فلان اغراض القوة السوفيتية لا تستهدف القيام باعمال عسكرية محدودة يمكن السيطرة عليها وانما تستهدف شن هجوم واسع يجتاح غرب  اوربا برمته لذلك فان فكرة الحرب المحدودة لم تكن قد ترسخت في ادراك الاروبيين  ولا في خططتهم الحربية ولا في تطوير قواتهم في الفترة التي سبقت نشوء الحلف ، ولقد اثبت الواقع صحة هذا الادراك الاوربي بعد نشوء الحلف حيث رفض السوفيت فكرة الحرب المحدودة التي ارادت واشنطون ادخالها في استراتيجية الناتو في حقبة الخمسينيات واعتبروها مجرد لعبة غربية تستهدف انهاك قواهم وجرهم الي معارك جانبية محدودة داخل اوربا او خارجهااما الامريكيون فكانوا يتوقعون بروز قوة عظمى بعد الحرب تستطيع فرض سيطرتها على المراكز الحيوية فى قارتي اسيا واوربا وتوجيهها ضد القارة الامريكية او توظيفها لعزل الولايات المتحدة الامريكية سياسيا واقتصادياً ونظروا الي الاتحاد السوفيتى على انه القوة التى تستطيع تهديد المصالح الامريكية من واقع قدرته على جذب المراكز الصناعية فى اوربا واسيا ودمجها داخل المنظومة السوفيتية ومما عمق من هذا الادراك الفراغ الامنى الواسع فى اوراسيا نتيجة هزيمة المحور الياباني_الالماني ومن ثم اصبح هذه الادراك جوهر استراتيجية الاحتواء التى جاء بها السفير جورج كينان واعتمدتها ادارة هارى ترومان لاقامة احلافها فى اوراسيا مثل حلف الناتو وحلف جنوب شرق اسيا(SEATO) وحلف بغداد (SENTO)بعبارة اخرى فان كان الامريكيون ينظرون الى الاتحاد السوفيتى على انه خطر عالمى وليس اوربياً وعقبة امام مساعيهم لبناء نظام سياسي واقتصادي للعالم الحر يتولون فيه مركز القيادة وبالتالى فان الهدف الاعلى لاستراتيجية الاحتواء لم يكن احتواء الخطر السوفيتى فى اوربا فحسب وانما كل ما يهدد فاعلية هذا النظام مثل حركات التحرر الوطنى والقومى فى العالم الثالث المدعومة من قبل موسكو لذا نجد ان صيغة حلف الناتو جاءت اطلسية وليس اوربية مما يعكس مدى قوة تاثير الادراك الامريكى فى الاوربيين لنشوء الحلف .

لقد اسهمت كل هذه التحديات والمدركات فى ولادة الحلف بموجب معاهدة واشنطون الموقعة فى 4/4/1949م من قبل كل من الولايات المتحدة الامريكية وكندا وبريطانيا وفرنسا وبلجيكا وهولندا وايطاليا والدنمارك والنرويج والبرتغال ولكسمبورج وايسلندا وفى عام 1952م تم ضم تركيا واليونان بعد ان تبين للحلف ان العدوان السوفيتى قد لا ياتى من وسط اوربا عبر المانيا الغربية او من الشمال عبر هولندا ولكسمبورج وانما من الجنوب عبر تركيا واليونان خاصة ان السوفيت كانت لهم يد فى الاحداث التى شهدتها اثينا فى العام 1947م اضافتاً لمحازاتها لدول شيوعية مثل بلغاريا وغيرها مما يجعلها فريسة سهلة للدعاية الشيوعية ثم ان تركيا مثلت قيمة استراتيجية مهمة للحلف لامتلاكها حدوداً طويلة مع الاتحاد السوفيتي وبوصفها ذات موقع حيوى مهيمن على البحر المتوسط يصلح ان يكون قاعدة جوية لاستقبال طائرات الحلف القادمة من اوربا والولايات المتحدة الامريكية عند اي عدوان محتمل عن طريق الجنوب وفى عام 1955م تم ضم المانيا الغربية بعد ان يئس الغرب من امكانية توحيدها مع المانيا الشرقية وبعد ان ادرك ان صيغة دفاعية اطلسية اوربية من دون المانيا تمثل وهناً استراتيجياً فى وسط اوربا لذلك ارادوا ان تكون المانيا مع فرنسا محور القوة التقليدية للحلف لصد اي هجوم سوفيتي قادم من وسط اوربا. وفى عام 1981م انضمت اسبانيا الى الحلف وبذلك بلغ عدد اعضائه 16 عضوا.

ان الهدف الاساسى لنشوء الحلف هو هدف امني يغلب عليه الطابع العسكري ومضمونه ردع الخطر الشيوعي واحتواءه فى اوربا وامريكا الشمالية والمناطق الواقعة فى شمال الاطلسى اضافة الى تركيا واليونانالا ان معاهدت واشنطون وبيانات وتقارير الحلف اللاحقة لنشوئه لم تحدد الجهة التى يتاتى منها هذا الخطر فقد يكون من الاتحاد السوفيتي او حلفاءه فى وسط وشرق اوربا او من الصين او من دول العالم الاسلامى.

 

الاستراتيجية الجديدة لحلف شمال الاطلسي

الاستراتيجية الجديدة لحلف شمال الاطلسي

 حلف شمال الاطلسي (الناتو) الحالي هو غير ذلك الحلف الذي كان يواجه الاتحاد السوفيتي في الفترة من 1949 _ 1991م ويواجه حلف وارسو في الفترة 1955 _ 1990م  فحلف الناتو كان احدي اهم ادوات الاستراتيجية الامريكية والغربية علي وجه الاجمال في التعامل مع عالم الحرب الباردة الذي تشكل في اعقاب الحرب العالمية الثانية وكان المبداء الاساسي في تلك الاستراتيجية هو الاحتواء ، اي احتواء القوة السوفيتية داخل اقليم الاتحاد السوفيتي فان لم يكن ذلك ممكناً ففي داخل منطقة نفوذه في شرق اوربا مع عدم السماح لتلك القوة بالنفاذ الي مناطق المجال الحيوي للولايات المتحدة في غرب اوربا او الشرق الاوسط او شرق وجنوب شرقي اسيا .

  لقد كانت سلسلة الاحلاف العسكرية التي قادت الولايات المتحدة الامريكية فكرتها وحركتها اداة رئيسية في استراتيجية الاحتواء ، وكان الناتو هو اول واهم تلك الاحلاف وادومها واكثرها فعالية اذ لم تصمد طويلاً تجارب (حلف بغداد) الذي تحول الي (الحلف المركزي) بعد انسحاب العراق منه كنتيجة لثورة عام 1958م ، وحلف جنوب شرقي اسيا (السيتو) seato)) ولعل الحلفين الثنائيين الذين اقامتهما الولايات المتحدة الامريكية مع اليابان وكوريا الجنوبية في شرق اسيا هما الاكثر فعالية بعد حلف الناتو في سلسلة الاحلاف العسكرية التي طوقت بها الولايات المتحدة الاتحاد السوفيتي في مرحلة الحرب الباردة .

وهكذا كانت الفكرة هي احتواء القوة السوفيتية وحصارها داخل حدود الاتحاد السوفيتي او داخل منطقة نفوذه او مجاله الحيوي مع عدم السماح له بالتمدد خارج حدود ذلك المجال الي غرب اوربا ، فضلاً عن ضمان عدم تهديده للارض الامريكية ، ولقد مثلت هذه الفكرة الاساس العقائدي ل (نظرية الاحتواء) التي صاغها الاستراتيجي والسياسي الامريكي جورج كينان وهي النظرية التي قام عليها حلف الناتو .

   صاغ كينان نظرية الاحتواء عام 1947م وهو العام نفسه الذي انتقلت فيه مهمة قيادة العالم الحر الراسمالي الغربي من المملكة المتحدة التي خرجت من الحرب العالمية الثانية منتصرة سياسياً ومنهكة للغاية اقتصادياً وعسكرياً ، الي الولايات المتحدة الامريكية التي خرجت من الحرب كاكبر الرابحين باعتبارها القوة العظمي مع الاتحاد السوفيتي وهي المرة الاولي التي تؤول فيها زعامة العالم لقوة غير اوربية ، فرغم الاصول الفكرية والثقافية والاجتماعية بل والسياسية المشتركة بين المجتمع الامريكي ومجتمعات غرب اوربا ، الا ان الولايات المتحدة الامريكية من الناحية الجيواستراتيجية هي قوة غير اوربية ، اما القوة العظمي العسكرية الثانية التي ولدت ايضاً من رحم الحرب العالمية الثانية اي الاتحاد السوفيتي فهي قوة نصف اوربية ونصف اسيوية .

  هكذا لاول مرة منذ ظهور نظام الدولة القومية الحديثة اصبح علي قمة النظام الدولي قوتان عظيمتان غير اوربيتين ، وفقدت القوة الاوربية هيمنتها علي العالم وتحولت الي قوة من الدرجة الثانية تالياً للولايات المتحدة الامريكية ثم الاتحاد السوفيتي .

  اذا كان هذا التحول الكبير في النظام الدولي قد انتج اثراً ايجابياً علي اوربا التي اقلعت عن الصراعات والحروب فيما بين قواها الكبري ، ثم بدات في صياغة عملية التكامل والاندماج فيما بين بعض دولها فان اوربا ولاول مرة تواجه تهديداً من قوة عظمي تتبني ايديولوجية راديكالية مضادة لايديولوجيتها وتحوز قدرة عسكرية ضخمة تمكنها من تهديد اقليم هذه القارة باكمله ، بعد ان دانت لها السيطرة في الجزء الشرقي منه ووصلت الي وسط القارة في المانيا محدثة التقسيم الذي قام عليه بنيان النظام الاوربي والدولي الجديد لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وهو تقسيم كل من المانيا واوربا الي غربية وشرقية.

 كما ان اقتصاد اوربا الذي دمرته الحرب العالمية الثانية لم يكن ليتعافي من دون برنامج (مارشال) الامريكي في الغرب ومن دون (COMMICON) الشيوعي في الشرق فان امن اوربا لم يكن ليتحقق في مواجهة الاتحاد السوفيتي الجديد الا بوجود الا بوجود عسكري امريكي مؤثر علي اراضيها من خلال اقامة تحالف عسكري عبر المحيط الاطلسي يربط غرب اوربا بامريكا الشمالية وله القدرة علي ردع وصد اي عدوان او هجوم او تهديد سوفيتي.

 كان حلف الناتو اذاً هو المكون العسكري في الاستراتيجية الامريكية الجديدة بقيادة العالم الغربي من خلال حصر القوة السوفيتية داخل حدودها جغرافياً وحصرها نوعياً في القوة العسكرية من دون تحولها الي قوة ثقافية واجتماعية وسياسية مناظرة او متحدية للقوة الامريكية ، اما مشروع مارشال ومشروع الاندماج الاوربي فقد مثلا المكون الاقتصادي في تلك الاستراتيجية .

مع انتهاء حقبة الحرب الباردة بانهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991م وقبله حلف وارسو عام 1990م وسقوط جدار برلين عام 1989م ، ظن البعض بانتهاء مبرر وجود حلف الناتو بل وطالبوا بحله علي اعتبار ان الحلف المضاد الذي كان الناتو يقف في مواجهته قد تفكك ولكن فات علي هؤلاء ان الناتو ما قام رداً علي وجود حلف وارسو وان العكس هو الصحيح حيث ان الناتو قد نشأ قبل وجود حلف وارسو بست سنوات .

الاهم من ذلك ان هؤلاء قد فات عليهم ايضاً ان انهيار حلف وارسو ثم الاتحاد السوفيتي بعده ، كانت هي لحظة الانتصار التاريخية للولايات المتحدة الامريكية من دون حرب ساخنة ولحظة تأكيد سلامة الاستراتيجية العالمية التي اتبعتها واشنطون ضد الاتحاد السوفيتي منذ نهاية الاربعينيات من القرن العشرين وانه كان يجب توقع توجه الولايات المتحدة مع النشوة بالنصر لان تفكر في تطوير وتحديث بنية وهيكل وعقيدة وتشكيلات وسياسات الحلف الذي كان ركيزة اساسية في جلب النصر .

الاستراتيجية العسكرية للحلف

الاستراتيجية العسكرية للحلف

كانت الولايات المتحدة الامريكية ودول اوربا الغربية قد انشات حلف شمال الاطلسي بصفتة حلف دفاعي وليس لاغراض الردع ، اي ان استراتيجيته العسكرية كانت قائمة لاغراض صد العدوان او الهجوم السوفيتي التقليدي بعد وقوعة وليس ردع او منع هذا العدوان قبل وقوعة ،وهذا ما يبدو واضحا في نص المادة (5) من معاهدة واشنطن المنشئة له ، التي اشارت الي "ان اي عدوان مسلح يقع علي دولة من دول الحلف يعتبر عدوانا ضد كل الدول المتحالفة ، ويتعين علي هذه الدول اتخاذ ما تراه ضروريأ من تدابير جماعية لمقاومة العدوان بما في ذلك استخدام القوة المسلحة والا ان واحدة من اهم العضلات الكبري التي واجهت الحلف في سنوات الحرب الباردة هي الاختيار في اسلوب صد العدوان بين تقليدي و دفاع نووي الي ان استقر الناتو علي استراتيجية الرد المرن عام 1967م ، والتي مثلت استخداماً دفاعيا مزدوجاً لكلا الاسلوبين .

(لذلك فان انتهاء الحرب الباردة يمثل حلا سريعا وغير متوقع لهذه المضلة بما ان الناتو لم يعد بحاجة ماسة الي المفاضلة بينهما بعد انهيار وتفكك القوة العسكرية الفائقة للاتحاد السوفيتى وحلف وارسو السابق بيد انه اصبح لزاماً عليه في الوقت نفسه انتقاء استراتيجة عسكرية جديدة او اجراء تعديلات علي الاستراتيجية الدفاعية   السابقة بما يتلاءم والمستجدات التي طرات علي الساحتين الاوربية والاطلسية ولاسباب عدة اهمها) اولاً : ان نهاية الحرب الباردة قد اسقطت تقريبا معظم المفاهيم الاستراتيجية العسكرية التي تبنتها القوة الكبرى ومؤسساتها العسكرية الجماعية كالاحلاف بعد ان كانت قد استقرت عليها لمدة نصف قرنوبالتالي يصبح من غير المنطقي ان يستمر الناتو في تطبيق استراتيجية الدفاع المرن علي احداث وازمات تهدد الامن الاوربي والاطلسي من قريب او بعيد مثل الحرب اليوغسلافية او الحروب الدينية والعرقية التي يمكن ان تشهدها اوربا حاليآ او مستقبلا ، لان هذه الاستراتيجية انما كانت قد صممت لكي تتيح للحلف انتقاء عدة خيارات عسكرية دفاعية للرد علي هجوم يشنه حلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفيتي علي غرب اوربا وحسب طبيعتة ومستواه ،اي انها لم تصمم للدفاع في حالات الحروب الاهلية ، وانما لمواجهة حروب كبري علي مستوي القارة تتراوح بين حرب تقليدية محدودة الي حرب شاملة قد تستخدم فيها الاسلحة النووية بنطاق محدود او شامل ايضآ.

ثانيآ : ان احدي التبريرات التي دفعت الحلف للاخذ باستراتيجية الدفاع الجماعي ، هو اعتقاد الغرب ان الاتحاد السوفيتي حقق سبقآ في قوته التقليدية ونشرها بشكل واسع في اراضي دول حلف وارسو مما يتيح له القدرة علي المباداة بالهجوم واجتياح غرب اوربا ، وكان هذا التبرير دافعا لهم لتطوير القوات التقليدية للناتو  وتحسينها من اجل احباط هذا الهجوم ، بيد ان الامر اختلف بعد انهيار حلف وارسو وتفككه ، ومن ثم قيام روسيا الاتحادية بسحب جميع هذه القوات من وسط وشرق اوربا ،والبالغة 640 الف عسكري واكثر من 30 الف دبابة ومدرعة و19 الف قطعة مدفعية وراجمة صواريخ ، و4 الاف طائرة مقاتلة  وقاذفة ، استنادآ الي معاهدة خفض الاسلحة التقليدية المعقودة بين حلفي وارسو والناتو عام 1990م (كما انها قامت بتفكيك معظم اسلحتها النووية التكتيكية من هذه المنطقة ،وغيرت من اتجاهات اسلحتها النووية الاستراتيجية الطويلة والمتوسطة المدي نحو البحر بعد ان كانت موجهة الي اهداف منتقاة داخل اوربا الغربية والولايات المتحدة الامريكية وكندا وهذا التعديل في موقف روسيا العسكري من شانه ان يبطل التبرير الاستراتيجي الدفاعي القديم للناتو لانه في حالة توسع الحلف نحو الشرق وقيامه بنشر قوات تقليدية فيه فانه سيحقق تفوقا تقليديآ علي موسكو بنسبة 1.3 وبذلك سيكون في وضع اقرب فية الي الهجوم منه الي الدفاع .

ثالثآ : ان الحلف اخذ يتجه الي التحول من تنظيم عسكري صرف ، مهمتة الدفاع عن غرب اوربا ومنطقة الاطلسي بوجة هجوم سوفيتي محتمل ، الي قوة عسكرية سياسية عالمية مهمتها تحقيق هيمنة قوي العالم الراسمالي الغربي علي النظام الدولي ، خاصة في مناطق العالم الثالث ، ويبدو هذا التحول واضحأ في اقرار الناتو بان التحديات التي تواجة  هذه الهيمنة لم تعد مرتكزة في اوربا حصراً وانما في قوسين من الازمات احداهما القوس الشرقية التي تضم دولاً اسلامية غير عربية مثل ايران وافغانستان ودول اسيا الوسطي وباكستان وتمثل هذه القوس منطقة عدم استقرار لوجود كثير من الاسباب الكامنة فيها لاثارة الصراعات والحروب العرقية والدينية   والاجتماعية وانتشار اسلحة الدمار الشامل وكذلك احتمالات ان يقوم تحالف اسلامي قوي تقودة ايران باكستان من شانه ان يعوق مهمة الحلف في تحقيق الهيمنة العالمية، ولهذا نجد ان الناتو يعول في السابق علي تركيا لمنع قيام مثل هذا التحالف بسبب نزعتها العلمانية المناهضة للتيار الاسلامي ولكونها عضواً عريقآ في الحلف وذات قوة عسكرية كبيرة وموقع استراتيجي مهم يربط اوربا باسيا ويصلح ان يكون قاعدة متقدمة لاستقبال قوات الناتو وطائراته العملاقة القادمة من اوربا والولايات  المتحدة الامريكية لاستخدامها في الازمات والتحديات التي يمكن ان يواجهها في هذا القوس.

 اما القوس الثانية فهي الجنوبية التي تشمل الدول العربية في شمال افريقيا ومصر والسودان ، اي الدول العربية الواقعة في حوض البحر الابيض المتوسط ، وهي ايضآ تمثل عنصر عدم استقرار وتهديد للامن الاوربي والاطلسي نظرآ لمساعي بعض اقطارها لامتلاك اسلحة الدمار الشامل مثل ليبيا ولتردي اوضاعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يمكن ان تقود الي حروب اهلية داخلية تنشط من عمليات الهجرة الجماعية فيها الي اوربا ، او تصعد من عمليات الارهاب الدولي احياء للنزعات الاصولية الاسلامية.

 ان اكثر ما يخشاه الناتو هو احتمال قيام تحالف وتكتل عربي اسلامي بين القوسين الجنوبية والشرقية لاعتبارات دينية وعرقية وتاريخية ، وخاصة ان وجود مخزون نووي استراتيجي وتكتيكي لدي بعض جمهوريات اسيا الوسطي يمكن ان تقدم جزء منه الي الدول العربية علي سبيل المقايضة ، من اجل الحصول علي المساعدات الاقتصادية والمالية التي تحتاجها هذه الجمهوريات لمعالجة اوضاعها الاقتصادية.

  يعول الناتو علي تركيا للاعتبارات السابقة نفسها ولكونها دولة من دول حوض المتوسط كما يعول علي مالطا من خلال اشتراكها في برنامج الشراكة من اجل السلام ، ولا يعود هذا التعويل الي كون مالطا  تتعرض لتهديدات فعلية من دول القوس الجماعية ولكن بحكم موقعها الجغرافي الممتاز في وسط البحر الابيض المتوسط الذي يمكن استغلالة كقاعدة لانتشار قوات الحلف المحمولة جوا ولاستقبال طائراتة ، وتقديم الدعم والتسهيلات للاسطول السادس الامريكي الموجود في هذا البحر منذ عام 1964م مما يعطي الناتو ميزة استراتيجية لاحتواء الازمات في هذا القوس او منع قيام تحالف بين القوسين الجنوبين والشرقيةومع ان هذه الاسباب قد مست جوهر الصفة الدفاعية للحلف ، وفتحت لاستراتيجيته العسكرية افاقا واغراضآ عملياتية خارج الحدود الجغرافية المقررة له في اوربا ومنطقة الاطلسي ، فانه مايزال متمسكآ بهذه الصفة ، فقد اشار خافير سولانا الامين العام السابق للحلف الي ان الحلف "مايزال المنظمة الاجتماعية القادرة علي الدفاع عن اوربا والعالم " ويبدو هذا التمسك حالة منطقية مادام الناتو لايستطيع الافصاح علنآ عن اسقاط هذة الصفة ، لان ذلك سيثير علية تساؤلات حادة حول طبيعته العسكرية من قبل الشعوب الاوربية والاطلسية واحزابها وقواها السياسية ، فاذا لم يعد الناتو حلفآ دفاعياً فهو اذاً حلف هجومي ثم ضد من سيتخذ اوضاعاً هجومية ؟ هل هو ضد دول يسعي الي ضمها اليه في وسط وشرق اوربا ام ضد روسيا وهي التي لم تعد عدواً فعليآ ، وعبرت عن حسن نياتها تجاه الغرب عندما قامت بسحب جميع قوتها التقليدية والنووية من مناطق حلف وارسو السابقة وبالتالي فان هذا الغموض من جراء عملية التوسع نحو الشرق عملا ًعدوانياً هجوميآ فتبادر فورأ الي نشر قواتها ىالتقليدية علي طول تلك الحدود ، واعادة نصب اسلحتها النووية التكتيكية والمتوسطة المدي وتغيير اهدافها نحو اهداف منتخبة داخل اوربا ، ولاسيما ان موسكو قامت بتعطيل عمل هذا الاسلحة فقط ، ومن الناحية النظرية يمكن اعادة تركيبها بسهولة.

هذه التساؤلات يمكن ان تقود في التحليل الي اعتقاد ان الحلف يواجة ازمة او صعوبة في اثبات صفته الدفاعية بعد انتهاء الحرب الباردة ، لذلك لجأ مخططو الناتو الي التغطية عليها عبر عملية التوسع نحو الشرق واعتبارها الضمان الاكيد للامن والاستقرار الاوربي – الاطلسي ، اي انهم ارادو ان يجعلوا من التوسع لضمان الامن والاستقرار تبريراً اوغطاء لبقاء صفة الحلف الدفاعية ، وهذا خطاء كبير لان الدفاع كمفهوم استراتيجي عسكري يمكن تحقيقة بما يمتلكة الحلف من وسائل عسكرية ، اما ضمان الامن والاستقرار فهو مفهوم سياسي يمكن تحقيقة بوسائل عدة سياسية وعسكرية فضلا عن ذلك فان القاعدة العامة في الاحلاف العسكرية من شاكلة الناتو هو انها لا تقوم لغرض حفظ الامن والاستقرار وانما يرتبط وجودها بتوازنات القوي القائمة ، ويصبح هذا الوجود جزءاً مهما من هذه التوازنات ، لذلك نجد ان اغراض هذه الاحلف تختلف  فبعضها ينشد الحفاظ علي هذه التوازنات مثل الاحلاف الدفاعية ، وبعضها الاخر ينشد تغيير هذه التوازنات كالاحلاف الهجوميةولوكانت الاحلاف ضامنة للامن والاستقرار لما شهدت اوربا حربين عالميتين مدمرتين ، ولما خيم شبح الحرب التقليدية والنووية عليها لمدة 45 سنة نتيجة لوجود حلفين عسكريين كبيرين فيهاعلي اي حال اذا كان الناتو لم يفصح رسميآ عن تغيير صفته الدفاعية ، فانه اتخذ سلسلة من الاجراءات التي تتعلق بحجم قواتة التقليدية والنووية ونوعيتها ،والتي يمكن من خلالها استنباط الكيفية التي سيستخدم فيها هذه القوات لمواجهة الازمات سوا داخل اوربا او خارجها ، فتقليدياً ،شرع الناتو بتخفيض العدد الكلي لقواته البرية الموجودة في اوربا استنادا الي معاهدة خفض الاسلحة التقليدية المعقودة مع حلف وارسو السابق عام 1990م وقد وصلت نسبة التخفيض في عام 1991 الي اكثر من 25% عما كانت علية قبل عام  1990م كما تقرر ايضآ الغاء المخزونات الزائدة منها خلال التحقق المتبادل مع موسكو في عام 1995م وقد شمل التخفيض ايضآ اكثر من 10% من القوة البحرية للحلف من بينها حاملات الطائرات والفرقاطات الموزعة في مناطق عملياتهفضلا عن انة تم تخفيض اكثر من 25% من العدد الكلي للطائرات المقاتلة والقاصفة الموجودة علي اراضي دول اوربا الغربية اصلا  و25% من التعزيزات الجوية القادمة من الولايات المتحدة الامريكية وكنداوهذه التخفيضات كانت ضرورية لاثبات ان الناتو مايزال يحمل طابعاً دفاعيآ وكذلك من اجل تصحيح الوضع الاستراتيجي العسكري في اوربا مع موسكو بعد ان سحبت الاخيرة جميع قواتها التقليدية من وسط وشرق القارة وقلصت ماتملكة منها الي النصف تقريبآ اذ ان ابقاء الناتو علي قواتة كما كانت علية في السابق سيجعلة كما اشرنا في وضع اقرب فية الي الهجوم منه الي الدفاع.

  لقد تطلب هذا التخفيض في  اوربا اجراء تعديل في الحجم الكلي للقوة التقليدية للحلف بحيث اصبحت تتالف من قوة مركزية قوامها سبعة فيالق متعددة الجنسيات منها اربعة فيالق المانية ، وفيلق هولندي ، وفيلق بلجيكي ، وفيلق المان – دنماركي مشترك ،وهذا التعديل جعل المجموع الكلي لتلك القوة 350 الف عسكري نصفهم من الامريكيين، ومع ذلك فان هذا التخفيض والتعديل يبقي مجرد افتراض نظري لاثبات الصفة الدفاعية للناتو، لانه في حال توسعه نحو الشرق فان ما خفضه في اوربا الغربية من القوات التقليدية سوف يقوم بتعويضه بما تمتلكه دول وسط وشرق اوربا من هذه القوات ، فبولندا وحدها  تمتلك باعتراف رئيسها الكسندر كفاسينسكي "حولي نصف مليون عسكري ، ومخزونآ هائلا من الاسلحة والمعدات العسكرية تمكنت من حيازتها عندما كانت عضوآ في حلف وارسو السابق "وسوف يتاكد هذا الافتراض النظري للدفاع بصورة اكبر في حالة قيام الناتو بنشر قواتة التقليدية في هذا المنطقة ، وفي سبيل تصحيح هذه الحالة وطمآنة روسيا وافق الحلف علي المطلب الروسي بتعديل معاهدة خفض الاسلحة التقليدية لعام 1990 في اثناء التوقيع علي لائحة باريس في 27\مايو 1997 المتعلقة بعلاقات التعاون والامن بين الحلف وروسيا في رحاب عملية توسع الحلف نحو الشرق ، وقد تضمن التعديل ان يستمر حق  حلف الناتو في نشر قواتة التقليدية في وسط وشرق اوربا ، كاجراء تحتمه شروط العضوية بالنسبة الي الدول الجديدة ،وحق هذه الدول في الحصول علي الضمانات الدفاعية منه مقابل السماح لموسكو بنشر قوات مماثلة في مناطق شمال القوقاز وبحر قزوين والبحر الاسود ، من اجل ضمان نفوذها علي جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق.

  اذا كان الحلف قد اجري كل هذه التخفيضات والتعديلات في حجم قوته التقليدية لاثبات استمرار صفته الدفاعية بعد انتهاء الحرب الباردة ، فانه من جهة اخري ادرك القيمة العملياتية الفعلية لهذه القوة في حسم ازمات تقع خارج حدود سيطرته وتهدد مصالح الدول الاعضاء فيه من امثال ازمة عام 1990م في منطقة الخليج العربي وما MD200باسم  نجم عنها من حرب عام 1991م وهذا مادفعه الي صدار وثيقة عرفت باسم المفهوم الاستراتيجي الجديد ، وهي لاتتضمن مبادي استراتيجية عسكرية واضحة لاستخدام قواته التقليدية في مناطق الازمات سواء داخل حدود مسارح عملياته في اوربا والاطلسي او في خارجها ، ولكنها تنص علي الكيفية التي يتبغي ان تكون عليها تلك القوات في المستقبل من حيث كونها اصغر حجمآ ، واكثر قدرة علي الحركة والمناورة والوصول الي مناطق الازمات في وقت قياسي ، بحيث تحقق للحلف تفوقآ جويآ ساحقآ وسيطرة تامة علي البحار والمحيطات تمكنة من نقل المعركة الي ارض الخصم.

   يفهم من هذه الوثيقة ان المفهوم الاستراتيجي الجديد للناتو مخصص للاستخدام في مناطق خارج مسارح عملياته ، لانه لا يحتاج داخل اوربا مثلا للوصول الي مناطق الازمات بوقت قياسي ونقل المعركة الي ارض الخصم اذا ما اصبحت اوربا برمتها تحت سيطرته العسكرية والسياسية من جراء عملية التوسع نحو الشرق كما يفهم من هذه الوثيقة ان الناتو ياخذ بمبدأ الهجوم ، او التعرض في استخدام قواته التقليدية لمواجة او احتواء الازمات التي تنشب خارج مسارح عملياته اي في مناطق القوسين  الجنوبية والشرقية ، وذلك لان عبارة نقل المعركة الي ارض الخصم الواردة في الوثيقة هي مبدأ هجومي تقليدي معروف في الاستراتيجيات العسكرية ، وهو يشكل مثلا حجر الاساس في الاستراتيجية العسكرية الاسرائيلية من اجل مفاجأة القوات العربية ونقل المعركة الي داخل اراضيها لتدمير الجزء الاعظم منها ، وقد طبقته اسرئيل في الحرب عام 1967 بعبارة اخري ان الناتو يضع في الحسابات الاستراتيجية الجديدة احتمالية دخوله في حروب تقليدية كبري اومتوسطة في مناطق قوسي الازمات الخارجية ، تحت ستار حماية الديمقراطية وحقوق الانسان ونزع اسلحة الدمار الشامل من ايدي بعض القوي الاقليمية التي تهدد المصالح الغربية مما يتطلب منه المبادأة بالهجوم لنقل المعركة الي اراضي هذه القوي وتدمير قوتها واجبارها علي الاستسلام ، ومن ثم ينبغي ان تكون لديه قوات متطورة وسريعة الحركة والمناورة كما اشارت الوثيقة ولكن السؤال الذي يفرض نفسة هو : الا يعتبر استخدام القوة بشكل هجومي عملا عدوانيآ ومتناقضآ مع مبادئ الامم المتحدة والقانون الدولي ، ويمكن ان يثير للحلف موجات عامة من الاستنكار والتنديد ليس علي مستوى الري العام العالمي فحسب وانما علي المستوي الاوربي والاطلسي ايضآ ؟ .

  لا جدال في ان الايضاحات الواردة في هذا التساؤل صحيحة ، ولكن اعضاء الناتو لجؤوا الية تطوير الية لاستخدام قواته التقليدية بشكل هجومي في قوسي الازمات تجنبهم كل اخطاء الماضي في هذا الاستخدام التي اتسمت بالفردية واللاشرعية مثلما حدث في الحرب الفرنسية ضد الجزائر عام 1954 او العدوان الفرنسي – البريطاني – الاسرئيلي علي مصر عام 1956 ، او الحرب العدوانية الامريكية علي فيتنام في عام 1964 ،وتعتمد تلك الالية علي دعامتين، اولهما تسخير مجلس الامن لاصدار قرارات شرعية تبيح لاعضاء الناتو التدخل واستخدام القوة في مناطق قوسي الازمات تحت غطاء الامم المتحدة والمسوغات التي اشرنا اليها انفاً ، وثانيتهما اشتراك الناتو نفسة في عمليات الامم الامتحدة لحفط السلام علي اعتبار انه الجهاز العسكري الدولي الوحيد الذي لديه القدرة علي القيام بعمليات عسكرية كبري علي غرار حرب الخليج الثانية عام 1991 وعمليات لوجستية متعددة المهماتوبذلك يكون اعضاء الناتو وعلي راسهم الولايات المتحدة الامريكية قد ضمنوا الشرعية الدولية والعمل الجماعي في استخدامهم الهجومي لقوات الحلف التقليدية خارج مسارح عملياتهم .

  نوويآ ، فان انهيار وتفكك القوة العسكرية لحلف وارسو والاتحاد السوفيتي وقيام روسيا بسحب جمع اسلحتها النووية التكتيكية والمتوسطة المدي من وسط وشرق اوربا، قد قلص الي حد كبير من احتمالات اندلاع الحروب النووية الشاملة او المحدودة في اوربا ، وقد كان ذلك دافعآ قويآ للناتو الي اجراء تخفيضات علي ترسانته النووية سواء بشكلها الاستراتيجي او التكتيكي فاستراتيجيآ قامت واشنطن بتخفيض عدد صواريخها العابرة القارات الي الثلث تقريبآ استنادآ ال اتفاقية    ستارت-1، كما كانت تتفاوض مع الاتحاد السوفيتي قبل انهياره عام 1991 للتوقيع علي اتفاقية ستارت-2، والتي سيؤدي تطبيقها الي تخفيض ثلثي الترسانة النووية الاستراتيجية لكلا البلدين تقريبأ، وقد شمل هذا التخفيض ايضآ القوة الاستراتيجية لبريطانيا وفرنسا حيث قامت لندن بازالة 25% من صواريخها الاستراتيجية المحمولة علي غواصاتها النووية واعلنت فرنسا انها تنوي تصفية كل انظمة صواريخها النووية المتوسطة المديوتكتيكيا قام الناتو بتخفيض ترسانتة النووية عام 1991 بنسبة 80% عما كانت علية قبل عام 1990، وشملت التخفيضات ازالة جميع انظمة الاطلاق الارضية في اوربا ومنها المدافع النووية وصواريخ ارض – ارض وارض –جولاتعني هذه النسبة الكبيرة في تخفيض الاسلحة النووية التكتيكية ان الحلف سوف يتخلي عما تبقي منها في المستقبل او انها اصبحت عديمة الفائدة والاستعمال ، لان الناتو كان قد اجري تعديلاً علي استراتيجيته النووية بحيث يمكن استخدامها في الازمات التي تواجهه خارج مسارح عملياته في اوربا والاطلسي بعد ان كان هذا الاستخدام مقصور حصريآ علي هذه المسارح ، فالمفهوم الاستراتيجي الجديد الذي جاءت بة وثيقة عام 1992 كان قد تضمن ايضآ امكانية استخدام الاسلحة النووية التكتيكية في الحروب التقليدية التي يدخلها الناتو في مناطق قوسي الازمات كملاذ اخير لانهاء حالة الحرب مع العدو، وان يكون الاستخدام مقصورآ علي ضرب قوات العدو واهدافه العسكرية الحيويةويستشف من عبارة الملاذ الاخير ان الناتو يضع في حساباتة الاستراتيجية احتمالية ان يخفق هجومه التقليدي علي احدي القوى الاقليمية المعادية كنتيجة لصمود هذه القوي وعدم استسلامها وتحول الحرب معها الى اشبه بحرب الاستنزاف اوالحرب الطويلة المدى عند ذلك يلجا الى اسلحته النوويه التكتيكية لحسم الحرب كملاذ اخير لتدمير قوات العدو واهدافه العسكرية وارغامه على الاستسلام وهذا يعني ان الناتو سيعتمد فى استخدام هذه الاسلحة على مبدأ الاستخدام الاولى للاسلحة النووية وهو مبدأ هجومى معروف فى الاستراتيجية النووية.

 اما داخل اوربا فان احتفاظ الحلف بجزء من ترسانته النووية التكتيكية ضرورى كما يرى البعض لتحقيق التوازن العسكرى مع الاسلحة النووية التكتيكية التى مازالت تمتلكها روسيا واوكرانيا وروسيا البيضاءوايضا لخلق حاجز نفسي يمنع القوي الاوربية الكبري من التفكير في دخول حروب تقليدية فيما بينها خشية استخدام هذه الاسلحة وما يمكن ان تلحقه من دمار للقوات المتحاربةومن جهة اخري  فان توجه الناتو الي التوسع نحو الشرق والعمل علي بناء نظام جديد للامن الاوربي الاطلسي كان قد دفع مجموعة التخطيط النووي التابعة  للجنة العسكرية العليا في الحلف الي الاعلان في عام 1993 بان الاسلحة النووية التكتيكية التي يمتلكها الحلف هي رمز شكلي نهائي للسلام في اوربا ، وانها ليست للاستخدام الفعلي ، ولكن وجودها يعتبر تامينآ سياسيآ ضد اي اخطار لايمكن تحديدها حاليآ او مستقبلآ. ويفهم من هذا الاعلان ان الحلف لايأخذ بمبدأ الهجوم في استخدامه لهذه الاسلحة داخل اوربا علي عكس الحال في مناطق قوسي الازمات الخارجية ، وتعليل ذلك هو ان الناتو كان قد ادخل هذه الاسلحة ضمن استراتيجيته العسكرية في سنوات الحرب الباردة المعروفة بالرد المرن ،  لغرض الدفاع وصد هجوم تقليدي واسع يشنة حلف  وارسو السابق علي غرب اوربا ، وتسخدم فية هذه الاسلحةوحيث ان احتمالات شن مثل هذا الهجوم قد تقلصت الي حد كبير ، فانه يصبح من غير المنطقي ان ينقلب كل هذا المنقلب ويتحول من دفاع نووي تكتيكي الي هجوم نووي تكتيكي لمواجة ازمات وتحديات اقل خطورة ويكون دوره فيها مجرد التنفيس عنها واحتوائها وايجاد حلول سياسية لها وحتي لو اضطر الناتو الى التدخل العسكرى فى هذه الازمات كما حصل فى الحرب اليوغسلافية ، فأنه لايمتلك اي مبرراستراتيجي لاستخدام هذه الاسلحة  بشكل هجومي مادامت تجري بين جماعات وقوى عرقية او دينية داخل الدولة الواحدة ، خاصة اذا ما اصبحت تلك الدولة احد اعضاء الحلف من جراء عملية التوسع ، فضلا عن هذا الاستخدام سوف يتناقض والغرض المعلن رسميا من وجود تلك الاسلحة في اوربا هو ان تكون رمزآ سياسيآ نهائيآ الي السلام في القارة ، لانها عندئذ ستتحول الي رمز للقتل والتدمير ، وسوف تثير موجات عارمة من التنديد الاستنكار لدي الشعوب الاوربية التي قد تطالب بالغاء وجودها نهائيآ او الغاء وجود الحلف نفسه .

 من جهة اخري يرجح ان اعتبار هذه الاسلحة رمزاً الي السلام هو نوع من الصياغة اللفظية غير المتطابقة مع الواقع وانها تعبر عن جزء من الازمة الداخلية المستترة التي تعصف بالحلف في اثبات صفته الدفاعية بعد انتهاء الحرب الباردة ،  لان السلام لايقوم علي القوة حتي وان كانت اغراضها شريفة كما اشار الناتو ، وانما يقوم علي الثقة المتبادلة وتوازن المصالح بين الدول ، اضافة الي العهود والمواثيق الاقليمية والدولية واحترامها ، واذا ما قام السلام علي استخدام القوة او التهديد باستخدامها فانه يتحول الي نوع من الابتزاز وفرض الهيمنة ، بالضغط مثلما تحاول اسرائيل فرض هيمنتها الاقليمية في منطقة الشرق الاوسط ، وابتزاز الدول العربية في موضوع السلام  من خلال احتكارها للقدرة النووية ومنع هذه الدول من امتلاكها حتي في الاغراض السلمية .

  علي الارجح ان الناتو اطلق هذا التعبير علي اسلحته النووية التكتيكية ليضيف نوعآ من الشرعية والقبول الشعبي علي ما تبقي منها ، ولكي يستخدمها في اغراض اخري غير الهجوم والدفاع ،ذلك لان اعلان مجموعة التخطيط النووي كان قد اشار ايضآ  الي ان هذه الاسلحة ليست للاستخدام الفعلي ، ولكن وجودها يعتبر تامينآ سياسيآ ضد اي اخطار لايمكن تحديدها الان او في المستقبل وهذه الاشارة تعني ان الغرض من وجودها قد يكون الردع ، لان الردع هو الاستخدام غير الفعلي للقوة عن طريق التهديد ، وهو ينشد تحقيق اغراض سياسية تتمثل في "منع الخصم من اتخاذ قرار بالعمل او الرد ازاء موقف معين عن سبيل تهديده  باتخاذ مجموعة من التدابير تكون كافية لتحقيق الغرض المنشود ، وبذلك يبلغ نتيجة نفسية "فهو اذاً يقوم علي "البراعة في عدم استخدام القوة المادية معتمدآ علي مهارات سياسية تتجاوز تلك التي تستخدمها القوة العسكريةوعلي الرغم من ان الاعلان لم يحدد مصادر وطبيعة الاخطار التي تفرض استخدام تلك الاسلحة بشكل ردعي ، فانه من الواضح ان المقصود منها هو استخدامها لمنع روسيا من التفكير بالقيام بعمل عسكرى من اجل استعادة مكانتها  السابقة في وسط وشرق اوربا ، ولذلك نجد ان وثيقة باريس عام 1997م لم تتضمن اي نص يلزم الناتو بعدم نشر اسلحتة النووية التكتيكية في اراضي دول هذه المنطقة، مايعني انه قد يقوم بنشر هذه الاسلحة في رحاب عملية التوسع من حيث هي تامين سياسي او رادع لمنع موسكو من القيام باي حماقة عسكرية تعوق هذه العملية بعبارة اخري فان وظيفة هذه الاسلحة قد تغيرت ، فبعد ان كانت جزءآ مهما من استراتيجية الدفاع عن غرب اوربا ضد هجوم سوفيتي اصبحت الان وسيلة لمنع اي اعمال روسية تهدد أمن واستقلال دول وسط وشرق اوربا وتنسف عملية التوسع برمتها ،اي ان وجودها ونشرها في هذه المنطقة يراد منه ارسال رسالة سياسية واضحة الي موسكو بان هناك خطاً أحمر في اوربا لايمكن لها ان تتجاوزه ، لان تجاوزه قد يؤدي الي اشعال حرب تقليدية في القارة تستخدم فيها الاسلحة النووية التكتيكية ،واذا كان هذا الخط قد تمثل بالماضي في غرب اوربا فانه يتمثل اليوم في وسطها وشرقها .

  لقد جري التشديد علي هذا المفهوم الاستراتيجي الجديد في اثناء قمة الحلف في واشنطن 1999م ، وتم توسيعه من حيث تحديد مصادر التهديد الي درجة تتيح للناتو – نظريا علي الاقل – القدرة علي التدخل خارج مسرح عملياته التقليدية وتحت مسوغات شتي ، مثل مكافحة الارهاب ، ومنع انتشار اسلحة الدمار الشامل ، وحماية حقوق الاقليات .

  من المرجح ان تكون منطقة حوض المتوسط اكثر المناطق المرشحة لتطبيق هذا المفهوم بعد ازمة كوسوفا ، ويعود ذلك لسببين اولهما ان هذه المنطقة تقع في معظمها ضمن قوس الازمات الجنوبية بكل ما تحملة هذه القوس من مصادر تهديد للامن والاستقرار الاوربي والاطلسي كما اشرنا وثانيهما لان هذه المنطقة تمثل مصالح تجارية واقتصادية وتاريخية لاعضاء الحلف من الاوربيين، ولان استقرار الامن الاوربي يرتبط بشكل كبير باستقرار اوضاع هذه المنطقة .

  يمتلك الحلف وسائل عسكرية وسياسية عدة للتدخل في هذه المنطقة وضبط الازمات فيها فعلي المستوي العسكري هناك الاسطول السادس الامريكي الموجود في حوض المتوسط منذ عام1964، وقواعد الناتو العسكرية الموجودة في تركيا والتي هي دولة متوسطية وعضو دائم فية، ومالطا ذات الموقع الستراتيجي في وسط الحوض والتي دخلت في شراكة مع الحلف من عام 1994، والتعاون التسليحي التركي الاسرائيلي عام1996 حيث ان التحليل لايستبعد ان يكون احد اهدافه تسهيل مهمة الناتو في ضبط الازمات داخل هذه المنطقة .علي المستوي السياسي فان الناتو اخذ يعول منذ عام 1994 علي اقامة حوار مع الدول المتوسطية غير الاوربية ونجح حتي الان في جلب سبع دول لهذا الحوار هي : تونس والجزائروالمغرب ومصر والاردن ومورتانيا واسرائيل وبصيغة19+1.وقد برر الحلف مساعية لاقامة هذا الحوار علي اساس ان البحر الابيض المتوسط هو منطقة مصالح خاصة باوربا ولان عملية الحوار تشكل جزءآ لايتجزأ من مقاربة الناتو للامن ، فضلا عن ان يقدم الارضية لبناء الثقة ويعزز الشفاقية والتعاون بينه وبين دول المنطقةوالراي الراجح ان الحلف انما اطلق هذه الشفافية علي حواره المتوسطي لكي يزيل المخاوف والشكوك لدي بعض دول الاتحاد الاوربي الاعضاء فيه والتي تنظر الي منطقة حوض المتوسط علي انها منطقة مصالح تقليدية لها مثل المانيا وفرنسا وايطاليا واسبانايا ، ولكي لاتفسر الحوار علي انه محاولة امريكية لاغتصاب تلك المصالح وعرقلة مشروعها في اقامة شراكة مع دول هذه المنطقة ، سواء صح هذا الراي اولم يصح فان نجاح الحلف في تطوير الحوار سياسيآ وعسكريآ وبصورة مؤسساتية مع دول حوض المتوسط غير الاوربية سيعطية الاولوية في حسم الازمات ومصادر التهديد علي حساب الاتحاد الاوربي ومشروعه في الشراكة ، نظرآ الي مايتمتع به الناتو من وسائل سياسية وعسكرية وخبرة في ادارة الازمات اكتسبها من تدخله في احداث البوسنة والهيرسك وحرب كوسوفا ، في حين مايزال الاتحاد الاوربي اسيراً لطبيعتة الاقتصادية .

البناء والوظائف الجديدة

البناء والوظائف الجديدة

من الحقائق المعروفة ان الاستراتيجية الحديثة بمعناها الواسع او الشامل لم تعد اسيرة العمليات العسكرية وتحقيق اهداف الحرب ، بقدر ما اصبحت فنا او عملا يزاوله السياسيون والاستراتيجيون لتحقيق الاهداف السياسية ، اي انها اصبحت "عقيدة متحركة او اسلوب تفكير يجيز لصاحبة التعامل بصورة صحيحة ومنطقية مع الاحداث والمتغيرات المحيطة بفاعلية وصولاً الي اهداف يتوخي تحقيقها".

 عندما جعل مبدأ الدفاع الجماعي مقرونا بتحقيق اهداف سياسية ، تتمثل في حماية العالم الحر وقيمه ومصالحه الاساسية من تحديات وتهديدات الخطر الشيوعي حيثما وجد ، بمعني انه لم يقيم الدفاع علي اساس عملبيتي جغرافي بحث ، وانما علي اساس جيواستراتيجي يطوق الخطر الشيوعي اينما حاول الامتداد، ولذلك نجدة يضم دولا ليست اوربية او اطلسية مثل تركيا ،واقام احلافآ مراتبطة بة في اسيا والشرق الاوسط، كما اننا يمكن ان نتلمس هذا المفهوم والواسع لاستراتيجية حلف الناتو في تركيبة هيكليتة ووظائفة الجديدة بعد انتهاء الحرب الباردة .

اولآ : البناء

يتكون هيكل الناتو من دعامتين او مؤسستين ’هما المؤسسة السياسية والمؤسسة العسكرية تتالف المؤسسة السياسية من الاجهزة التالية :

1-مجلس الحلف :وهو يمثل اعلي سلطة سياسية في الناتو ، لانه يضم ممثلين دائمين من وزراء خارجية الدول الاعضاء التسعة عشر بعد انضمام بولندا والمجر وتشكيلها اليه في عام 1999 ويقع علي عاتقة مناقشة القرارات السياسية والعسكرية التي ينوي ان يتخذها الحلف والتمهيد لمؤتمرات قمته ، كما انه يضم موظفين او اختصاصيين في الشؤون المالية والاقتصادية والعسكرية لمساعدة الاعضاء الدائمين في تنفيذ اعمالهم ، ويجتمع المجلس مرة واحدة في السنة وبانتظام لتدارس اوضاع الحلف السياسية والعسكرية وما يحيط به من تحديات وتطورات ،لكنة قد يجتمع عدة مرات في السنة اوحتي في الاسبوع الواحد في حالات الطوارئ والازمات

2-لجنة تخطيط الدفاع : وهي ترتيط بمجلس الحلف وتضم في عضويتها الاعضاء الدائمين كافة ، ومهمتها تقييم القدرات الدفاعية للحلف سواء بشكلها التقليدي او النووي وتقديم التوصيات الي مجلس الحلف من اجل تطويرها او اجراء تعديلات وتخفيضات عليها ، وحتي اقتراح اجراء تغييرات في استراتيجيته العسكرية.

3-الامين العام : وهويمثل اعلي منصب سياسي في الحلف ، لانه يراس كلا من مجلس الحلف ولجنة تخطيط الدفاع بالاضافة الي الامانة العامة ، واهم واجباته التنسيق داخل الناتو بين الاعضاء الدائمين عند مناقشة القرارات التي تهم الحلف وتامين المستسارين في امور الامن وغيرها ، والتحضير لمؤتمرات القمة والقيام باجراء المفاوضات السياسية يبين الحلف والجهات الاخري ونظرآ الي اكثر اعمال الامين العام وتشعيها ،فان مكتبة يتالف من عدة شعب تساعده في انجاز اعمالة وهذه الشعب هي:

أ‌-    الشعبة السياسية : ويراسها مساعد الامين العام للشؤون السياسية ، واهم واجباتها اعداد التقارير حول الموضوعات السياسية وتقديمها للامين العام واجراء الاتصالات بالمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية ،واصدار نشرات ومجلات وعرض افلام ،واقامة دورات وحلقات دراسية تستهدف اعلام الجمهور والراي العام الاوربي والاطلسي باهداف الحلف ومهامه وادواره .

ب‌-    شعبة تخطيط الدفاع: ويراسها مساعد الامين العام للتخطيط والسياسة الدفاعية ، ومن واجباتها اعداد المناقشات في لجنة تخطيط الدفاع التابعة لمجلس الحلف في كل مايتعلق بشؤون الدفاع ، ودراسة وجهات النظر الخاصة بميزانية الدفاع لكل دولة عضو ، وتأثير ذلك في فروع القوات المسلحة ، ومن واجباتها ايضأ تقديم المشورة في مجالات الدفاع للامين العام اضافة الي اقامة الاتصالات مع المنظمات العالمية والهيئات العسكرية خارج الناتو .

ت‌-    الشعبة العلمية : ويراسها مساعد الامين العام للشئون العلمية ، واهم واجباتها تقديم المشورة في المجالات العلمية بطوير الاسلحة ووسائل الاتصالات والمعلومات ومسالة الترابط بين الصناعات المدنية والعسكرية.

 بعد انتهاء الحرب الباردة حصلت بعض التطورات علي هيكل المؤسسة السياسية للحلف ، بحيث تستطيع ان تستوعب التحولات التي شهدتها اوربا مثل انشاء مجلس تعاون شمال الاطلسي عام 1991 ليكون بمنزلة الجسر السياسي الذي يربط الناتو بدل وسط وشرق القارة والدول التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي السابق ، وقد ضم المجلس جميع هذه الدول بالاضافة الي اعضاء الناتو الاصليين ، واصبح عدد اعضائة 44 عضوأ بعد انضمام روسيا الاتحادية اليه في العام نفسهان مهمة هذا المجلس هي التشاور والتنسيق بين الاعضاء لمواجهة الازمات التي تنشاء ، واتخاذ الاجراءات والوسائل بشانها ، بما في ذلك الوسائل العسكرية لضمان اعادة الامن والاستقرار في اوربا والاطلسي ، وكذلك فان من واجباته تسهيل عملية انضمام دول وسط وشرق اوربا والدول المستقلة عن الاتحاد السوفيتي الي برنامج الشراكة من اجل السلام كخطوة مسبقة للانضمام الكامل الي الناتووقد طور هذا المجلس عام 1997 تحت اسم مجلس الشراكة الاوربي – الاطلسي لتكون مهمتة تنظيم وتوزيع الاعباء والمسؤوليات بين اوربا ومنطقة الاطلسي ، ولضبط احتمالات الصراعات والنزاعات داخلها ، واحتوائها عبر تطوير الية التعاون في جميع المجالات سواء كانت امنية او سياسية اوعسكرية او اقتصادية ومن المؤسسات السياسية التي تم ادخالها الي الهيكلة السياسية للناتو ايضا برنامج الشراكة من اجل السلام ، والمجلس المشترك الدائم للناتو وروسيا ، وميثاق الناتو –اوكرانيا.

 

 


 

المؤسسة العسكرية للحلف

المؤسسة العسكرية للحلف

وهي تتالف من جهازين رئيسيين هما:

1-اللجنة العسكرية العليا : ومقرها واشنطن ، وهي اعلي سلطة عسكرية في الناتو ، لانها  تضم رؤساء اركان الجيوش للدول الاعضاء ، ويراسها قائد عسكري منتخب من بين اعضائها ،وهي تجتمع مرتين في السنة او اكثر من ذلك عند الضرورة القصوي ،ومن واجباتها اعداد التوجيهات والمقترحات اللازمة لتامين دفاع مشترك وفعال للحلف وتقديمها للمجلس التابع للمؤسسة السياسية بغية اتخاذ القرار بشانها ، كما ان من واجباتها اصدار التعليمات الخاصة بتنفيذ اي تغييرات او تعديلات تحدث في استراتيجية الحلف العسكرية .

2-          القيادة العسكرية الرئيسية: وتمثلت هذه القيادات في حقبة الحرب الباردة في ثلاث قيادات رئيسية موزعة علي مسرح عمليات الحلف في اوربا ومنطقة الاطلسي ، ولكل قيادة رئيسية قيادات فرعية علي النحو التالي.

أ- القيادات الرئيسية لمنطقة الاطلسي: ومقرها في نوفرفلك في الولايات المتحدة الامريكية وواجبها الدفاع عن منطقة عملياتها التي تمتد من القطب الشمالي الي مدار السرطان ، واضافة الي سواحل اوربا وفريقيا المطلة علي المحيط الاطلسي وتشمل البرتغال عدا القنال والجزر البريطانية ، وتتبع هذه القيادة ثلاث قيادات فرعية هي :

-. قيادة منطقة غرب الاطلسى : وتتالف من اسطول غواصات وقواعد بحريه وجويه ، وقوات برية فى جزر برمودا ولازور وجرينلاند .

 - قيادة منطقة شرق الاطلسى : وتتالف من قوات بحريه وجويه فى وسط وشرق الاطلسى وجزر ايسلندا ونيرو . 

 - القيادة البرية فى وسط الاطلسى : ومقرها جزيرة ماديرا 

 يعتمد التجهيز الرئسى لقيادة منطقة الاطلسى بالدرجة الاولى على الاسطول الثالث الامريكى وجزء من الاسطول السادس فى البحر الابيض المتوسط والقوة الجوية البرتقالية ، اي انها قيادة امريكية في الجزاء الاكبر منها .

ب‌-                    القيادة الرئيسية لمنطقة القنال: ومقرها في نورث وود في بريطانيا ،وواجبها الدفاع عن كافة مناطق قنال المانش والمنطقة  الجنوبية لبحر الشمال ،وهي تتألف من قوات بريطانية وهولندية بلجيكية واسطول ائم ،ونظرآ الي صغر حجم مسرح العمليات الذي تدافع عنة فانة لاتوجد لديها اي قيادات فرعية.

ت‌-                    القيادة الرئيسية في اوربا: ومقرها مدينة كاستور في بلجيكيا،وتعد من اهم القيادات الرئيسية لارتباطها باللجنة العسكرية العليا مباشرة ،ولتوليها مسؤولية الدفاع عن منطقة واسعة تمتد من اقصي شمال النرويج الي جنوب اوربا ومنها البحر الابيض المتوسط ،ومن سواحل الاطلسي في اوربا الي الحدود الجنوبيه لتركيا واليونان ،وبالتالي فهي تغطي مساحة من الارض تبلغ اكثر من مليوني كم2،واكثر من ثلاثة ملايين كم2 من البحار،ومجموع سكانها 320 مليون شخص ،وتتفرع من هذه القيادة ثلاث قيادات فرعية هي:

*- قيادة تحالف شمال غرب اوربا : ومقرها في مدينة هاي واكومب اليريطانية وتتولي قياداتها بريطانيا ، وهي تتكون من قوات بحرية في هايواكومي وقوات بحرية في نورث وود وقوات برية في مدينة ستاننجر النرويجية.

*- قيادة التحالف لوسط اوربا : وتتولي قيادتها المانيا ومقرها مدينة برونسوم الهولندية ويمتد مسرح عملياتها من جنوب منطقة قيادة تحالف غرب اروبا حتى الحدود الجنوبية لالمانيا ، وتتالف من قوة برية وجوية  رئسية فى المانيا قوامها 36 فرقة برية 600 طائرة مقاتله وقاصفة ، اضافة الى اسطول بحرى فى الدنمارك .

* قيادة التحالف لجنوب اروبا : ومقرها مدينة نابولى الايطالية وتتولى قيادتها الولايات المتحدة الامريكيه، وواجبهاالدفاع عن منطقه تشمل  ايطاليا واليونان وتركيا والبحر الابيض المتوسط عند مضيق جبل طارق حتى سواحل سوريا وبحر مرمرة والبحر الاسود . وهى تتكون من قوة برية كبيرة قوامها 30 فرقة موزعة فى مدينة راسا اليونانية وازمير التركية وفيرونا الايطالية ، اضافه الى قوة بحرية وجوية متمركزة فى مدينة نابولى الايطالية .

 اجري الناتو بعض التعديلات علي هيكل مؤسسته العسكرية  اثر انتهاء الحرب الباردة ، مثل الغاء القيادة الرئيسية في منطقة القتال الانجليزي ، ودمجها بالقيادة الفرعية لتحالف شمال غربي اوربا التابعة للقيادة الرئيسية في اوربا ، وقد جاء هذا التعديل في ضوء قيام الحلف بتخفيض عدد قواته التقليدية في اوربا عملا بمعاهدة خفض هذه القوات والتي عقدت مع حلف وارسو السابق في عام 1990م ولان مسرح عمل هذه القيادة الرئيسية فائض ومتداخل مع مسرح عمليات القيادة الفرعية لتحالف شمال غرب اورباومن جهة اخري ، انشأ الناتو القوات المتعددة الجنسيات والمهمات ووضعها تحت قيادة اتحاد غرب اوربا في اثناء قمة مجلس تعاون شمال الاطلسي في برلين عام 1996، اقرار ازمة بوجود هوية دفاعية اوربية، ومن اجل السماح لدول وسط وشرق اوربا بالمشاركة في هذه القوات في محال انضمامها الية ،وتتالف هذه القوات من 17 فرقة و27 لواء ، موزعة علي دول الاعضاء في اتحاد غرب اوربا ،كماتم وضع فرقتين في كل من تركيا واليونان علي اساس انهما قريبتان من مناطق الازمات التي تحدث خارج اوربا وتهدد الامن الاوربياي ان هذه القوات يمكن ان تستخدم للرد او مواجهة الازمات التي تقع خارج اوربا ومنطقة الاطلسي استثناء من نص المادة المنشئة للحلف.

ثانيآ:الوظائف الجديدة للحلف

 من المعروف ان المعاهدة المنشئة للناتو كانت قد وضعت وظائف عسكرية وسياسية واقتصادية من اجل تنشيط وتفعيل استراتيجيته في الدفاع الجماعي ضد تحديات القوة العسكرية للاتاد السوفيتي وحلف وارسو السابق لامن غرب اوربا ومنطقة الاطلسي وبقيت تلك الوظائف فاعلة مادامت تلك القوة موجودة مؤثرة، اما اليوم وبعد زوال تلك القوة وتفكيكها ، فانه اصبح من الصعب علي الناتو حصر وظائفة في حدود دفاعية عسكرية ’ اولا لانة هو نفسة قد فقد صفتة الدفاعية المحضة كما اشرنا في استراتيجيتة العسكرية وثانيا لان القضية الاساسية التي تستقطب اهتماماتة الراهنة والمستقبلية هي التوسع نحو الشرق من اجل حفظ السلام وبناء عماد جديد للامن الاوربي والاطلسي ، وهذا التنوع في اهتمامات الناتو من شانه ان يعقد وظائفه السابقة ويجعلها اكثر تشعبآ ، لان حفظ السلام ويناء الامن ليس مجرد حالة ساكنة او جامدة كالدفاع وانما حالة تتطلب "تعاونآ مستمرآ بين الحكومات والدول في المجال الاقتصادي والسياسي والثقافي وليس تعاونآ في المجال العسكري فقط.

 بعبارة اخري واذا كان من الصعب الان دراسة وظائف الناتو من خلال نصوص المعاهدة المنشئة لة والتي ربطت تلك الوظائف بقضية سقطت استراتيجيآ وهي الدفاع فانه ينبغي علينا البحث عن اطار جديد لدراسة تلك الوظائف تتلاءم والقضية الاساسية التي تستقطب اهتمامات الناتو ، حيث يعتقد ان برنامج الشركة من اجل السلام الذي اقره الناتو في قمة بروكسل عام 1994، وانضمت الية جميع دول وسط وشرق اوربا بالاضافة الي روسيا ورابطة الدول المستقلة ، يعد اطارآ صالحآ لمعرفة وظائف الحلف الجديدة، لان الشراكة هنا تعني "التعاون والتشاور المستمر بين اعضاء الناتو الاصليين والدول المشاركة ففي البرنامج فعاليات حفظ السلام،وحل الازمات،واجراء التدريبات والمناورات المشتركة لهذه الفعاليات ،بل حتي المساهمة الفعلية فيها كما حصل في ازمة البوسنة والهرسك ،كما انها تعني حق المشاركين الجدد في التشاور الساسي مع الحلف عند تعرضها لاعتداء خارجي ، وكذلك توفير الية للتعاون السياسي والاقتصادي والعسكري بين الطرفين"وكل ذلك في سبيل تحقيق هدف مركزي هو تأهيل واعداد الدول المشاركة في البرنامج لانضمام الية وصلا الي بناء نظام متكامل للامن الاوربي والاطلسيذلك ان وظائف الحلف في اطار برنامج الشراكة من اجل السلام هي اعداد وتأهيل الدول المشاركة غير الاصلية سياسيآ ةوقتصادياً وعسكريآ للانصمام اليه بحيث تتكيف مع مؤسساتة السياسية والعسكرية،ويتعمق فهمها لواجباتها وحقوقها التي تفرضها العضوية الكاملة وفيما يلي تفصيل للوظائف الجديدة للحلف:

1-الوظيفة السياسية

تتمثل الوظيفة السياسية للحلف في دعم وترسيخ عمليات التحول السياسي الديمقراطي لدول وسط وشرق اوربا وجمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق ،مثلما كان الحلف قد فعل ذلك سابقآ ازاء المانيا وايطاليا بعد الحرب العالمية الثانية ،ولكي يقوم الناتو بهذ اشترطت اتفاقيات برنامج الشراكة من اجل السلام ان تقوم هذه الدول بحل مشكلاتها العرقية والدينية والاجتماعية بالطرق السلمسية من خلال الاتفاقيات الحرة ، ومنح شعربها حق تقرير المصير ،وان يكون للحلف اشراف  علي هذه التحولات وفي المقابل فانة ينبغي علي اعضاء الناتو الاصليين فتح مؤسساتهم السياسية كالاتحاد الاوربي ومنطقة الامن والتعاون في اوربا ومجلس اوربا امام هذه الدول للاستفادة من خبرتها الطويلة في عمليات التحول الديمقراطي، كما اشترطت تلك الاتفاقيات ان تقوم الدول المشاركة بادخال المفاهيم والقيم الديمقراطية في المؤسساتها العسكرية ،ووضع القيادات الرئيسية لقواتها حت ادارة مدنية سياسية، بغية التقليل من احتمالات قيام الاتقلابات العسكرية والاساليب غير الديمقراطية للوصول الي السطلة فيها.

 من الوظائف السياسية التي وضعتها اتفاقيات الشراكة للحلف مسالة السيطرة علي اسلحة المار الشامل والاسلحة النووية الموجودة لدي بعض الدول المشاركة،فقد تعهدت هذه الدول ان يكون للناتو حق الاشراف علي عمليات نزع هذه الاسلحة ،وعدم بيعها اونقل تقنيتها الي دول اخري.

  هناك وظائف مساهمة الحلف والدول الموقعة علي اتفاقيات الشراكة في فعاليات الامم المتحدة لحفظ السلام والتي عرفت باسم الدبلوماسية الوقائية ،والتي تعني تجميع المعلومات السياسية والاخبارية حول بؤر الازمات المجودة في اوربا والعالم بما يتيح للحلف والمنطقة الدولية التدخل فيها واحتواءها سياسيآ ودبلوماسيآ قبل ان تتحول الي نزاعات مسلحة وحروب. وقد  جاء في تبرير مشاركة الناتو في هذه الفعاليات انها من اختصاص المنطقة الدولية حصرآ ،ولكن بما ان الحلف قد تبني هذه الفعاليات في اوربا ومنطقة الاطلسي ضمن برنامج الشراكة من اجل السلام ،وان المنطقة الدولية غير قادرة بمفردها علي حل جميع النزاعات والازمات ،فان التعاون بين المنطقة والحلف سوف يجنب العالم كثيرآ من الاخطار وسوف تزداد اهمية في المستقبل.

2-الوظيفة الاقتصادية

  تمثلت الوظيفة الاقتصادية للحلف منذ نشوئه في التنسيق بين السياسات الاقتصادية لاعضائه الاصليين والتخفيف من حدة التنافس الاقتصادي بينهم وحتي لا يؤثر ذلك في متانة استراتيجيته الدفاعية ضد تهديدات وتحديات القوة السوفيتية ومن المرجح ان تزداد اهمية هذه الوظيفة بعد انتهاء الحرب الباردة من اجل تحقيق الهيمنة التضامنية للعالم الراسمالي علي النظام الدولي ،والتقليل من احتمالات الحروب الاقتصادية بين دول ذلك العالم ،وازالة كل مايعرف حركتها لتكوين الكتل الاقتصادية العملاقة  وقد اضافت اتفاقيات الشراكة بين الحلف والدول المشاركة ابعادآ جديد لهذا الوظيفة ،تمثلت في انعاش اقتصادات هذه الدول ومساعدتها علي التحول الصحيح نحو اقتصاد السوق ،سواء من خلال تزويدها بالمتج والمعونات المالية والاقتصادية التي تمكنها من تجاوز مرحلة التحول او تزويدها بالخبرات الفنية والعلمية التي تمكنها من بناء بنيتها التحتية وتحويل صناعاتها العسكرية الفائضة الحاجة الي الصناعات المدنية ،وفتح الاسواق امام اقتصاداتها داخل اوربا وخارجها ،وفي المقابل فان  دول الناتو ستستفيد من هه الوظيفة لتصريف بضائعها المصنعة وغير المصنعة في اسواق هذه البلدان ،وايجاد مشروعات استثمارية جديد فيها ،والاستفادة من المواد الاولية المتيسرة لديها بما في ذلك عمالتها الرخيصة.

3-الوظيفة العسكرية

  تتمثل الوظيفة العسكرية للحلف في تهيئة واعداد الدول المنضمة الي برنامج الشراكة من اجل السلام للقيام بعمليات حفظ السلام في اوربا ومنطقة الاطلسي ،وتكريس هيمنة الغرب علي مناطق العالم المختلفة ،لذلك تفرض هذه الوظيفة علي الناتو العمل علي تغير هياكل وانماط استخدام القوة العسكرية لهذه الدول سواء من حيث الحجم او النوع والتفكير الاستراتيجي ،بحيث تكون متوعية للتغييرات التي طرات علي استراتيجية العسكرية والتي لم تعد استراتيجية دفاعية بقدر ما اصبحت ردعآ او منعآ للازمات والمخاطر التي تهدد الامن الاوربي – الاطلسي داخل اوربا ،واستخدام القوة بشكل هجومي ضد التحديات التي تواجة الهيمنة الغربية في مناطق قوسي الازمات الخارجية وقد حددت اتفاقيات الشراكة الخطوات التي ينبغي علي الدول المشاركة القيام بها للانسجام مع استراتيجية الناتو العسكرية وهي: -

أ‌-    تسهيل الشفافية في تخطيط الدفاع الوطني،وعمليات موازنة الدفاع.

ب‌-                      السيطرة الديمقراطية والمدنية علي القوات المسلحة .

ت‌-                      الاستعداد للمساهمة في مجال حفظ السلام ،سواء تلك الفعاليات التي تقوم الحلف مع الامم المتحدة اومع اتحاد غرب اوربا .

ث‌-                      الاشتراك مع الحلف في مجالات البحث والتطوير للدفاع الجوي ونزع السلاح وضبط التسلح ،والتخطيط للطوارئ المدنية ،والشؤون الادارية والمالية والعالاقات العامة .

ج‌-الاشتراك مع الحلف في التدريبات والتمرينات المتعلقة بعمليات حفظ السلام .

ح‌-التعهد بتطوير قوات قادرة علي المدي المتوسط والبعيد للعمل مع الحلف خارج مسارح عملياتة التقليدية في اوربا والاطلسي .

 ان دراسة عملية بناء ووظائف الحلف الجديدة تكشف ان الناتو اخذ يولي اهتمامآ متزايد لتنفيذ استراتيجيتة في التوسع نحو الشرق ،وتكريس الهيمنة الغربية علي النظام الدولي من خلال التعاون مع مؤسسات عسكرية وسياسية خارجة عنة بعضها اوربي مثل اتحاد غرب اوربا ،وبعضها دولي مثل الامم المتحدة وبعضها الاخر انشاه ينفسة ،مثل مجلس الشركة الاوربي – الاطلسي ،بيد لم يؤثر الانسبيآ في بنيتة السياسية والعسكرية والاساسية التي نشأ عليها منذ ما يقارب من نصف قرن ،كما انة لا ينو التخلي عن هذه البنية التي تشكل عماد قوتة الاستراتيجية العالمية ،لان اي تعديل جذري فيها كما يقول خافير سولانا "قد يؤدي الي تغييرات وتقلبات خطيرة ،بل وربما تشجيع عدم الاستقرار في اوربا ،خاصة بعد ان بدات تتكون لتوها علاقات امنية جديدة.

ثانيآ: معضلة انتشار الاسلحة النووية الروسية

 لقد ترتب علي انهيار الاتحاد السوفيتي تشتت اسلحتة النووية التكتيكية والاستراتيجية بين اربع جمهوريات’وهي روسيا الاتحادية و اوكرانيا وروسيا البيضاء في اوربا وكازاخستان في اسيا الوسطي ،ورغم ان القسم الاعظم من هذه الاسلحة قد تركز في روسيا الاتحادية ،فان انتشارها في الجمهوريات الثلاثة الاخري وعدم وجود سيطرة مركزية عليها قد خلق في حينها مخاطر كجدية للامن الاوربي والاطلسي لاتقبل خطرآ عن المشكلات العرقية والدينية التي اجتاحت اوربا الشرقية عقب تحرها من الهيمنة السوفيتية السابقة ،ومرد ذلك الي اسباب عدة اهمها:                                      

1-الخلاف الذي كان دائر بين روسيا التحادية و اوكرانيا حول الاحقية الشرعية لهذه الاسلحة ، وعائدية اسطول البحر قزوين وجزر القرم ، حيث كان من الممكن ان يتحول الي صراع مسلح بينهما قد تستخدم فية الاسلحة النووية ،زبذلك سيتعرض امن اوربا برمتة الي الخطر خاصة اذا ماتدخلت قوي معينة لصالح هذا الطرف اوذأك.

2-ان الدول الثالث الاخري غير روسيا الاتحادية ،قد وجدت نفسها فجأة قوي نووية من الدرجة الثالثة او الرابعة دون ان يكون لها خبرة في استخدام هذه الاسلحة وتقدير اثارها ومخاطرها ،ودون ان يكون لها حوار استراتيج مع الغرب اومع موسكو حول كيفية استخدام هذه الاسلحة في اوقات الازمات كذلك كان موجودآ بين السوفيتي السابق والغرب في حقبة الحرب الباردة ،وبالتالي  فانها من الممكن ان تستخدم هذه الاسلحة في ازمات التي تدخل طرفآ فيها بوصفها ادوات حرب لا ادوات ردع ،وشانها في ذلك شان معظم القوي النووية في العالم الثالث ،كما يمكن ان تستخدمها لابتزاز جبرانها ،او لمطالبة المجتمع الدولي بالاعتراف بها بوصفها قوي عظمي ذات مقعد دائم في مجلس الامن.

3-هناك احتمالات ان تتمسك هذه الدول الاسلحة وترفض الدخول في حوار الغرب حول نزعها او احد منها ، وعند ذلك تذهب جهود ربع قرن للحد من هذه الاسلحة هباء منثورا.

4-ان الاسلحة النووية تدفع الدولة المالكة لها الي ممارسة خارجية استقلالية ،وتكسبها ثقة كبيرة بالنفس لاقامة علاقات سياسية وعسكرية مع غيرها وفقآ لمصالحها الوطنية والقومية وينطبق هذا الكلام علي كازاخستان،فهي ، دولة اسلامية غير اوربية ،وذات روابط تاريخية ودينية وتجارية وثيقة جدآ بدول اسيا الوسطي وايران وافغانستان،وقد تشجعها الاسلحة النووية علي ممارسة سياسية هيمنة ونفرذ علي هذه الدول ، او الدخول معها في تالفات عسكرية وسياسية معادية للمصالح الغربية ،او تزويد هذه الدول بيعض اسلحتها النووية علي سبيل المقايضة ،حيث تشير بعض المصادر الي قيامها بتزويد ايران براسين واجهزو اطلاق متطورة ،مقابل حصولها علي النفط والغاز الايرانيين.

  لقد خفت حدة المخاطر بعد ان اعتبرت روسيا الاتحادية الوريث الشرعي والقانوني للاتحاد السوفيتي المنحل ،واحتلت موقعه في مجلس الامن واصبحت الطرف الرئيسي للتباحث مع الغرب بشان تطبيق وتنفيذ اتفاقيات خفض الاسلحة الاسلحة  الاستراتيجية ، ومن ثم اصبح بتعين علي الدول الثلاثة الاخري اعادة ما بحوزتها من اسلحة الي موسكو بغية تفكيكها وازالتها ،ولم تكن هناك مشكله تذكر مع روسيا البيضاء وكازاخستان اللتين واقفتا علي ذلك ، لكن اوكرانيا اشترطت لتسليم اسلحتها عقد اتفاقية ضمان مع روسيا والولايات المتحدة الامريكية ،وتتعهد بموجبها الدولتان بضمان امن اوكرانيا ، واحرام سيادتها الاقليمية ، والدفاع عنها في حالة وقوع عدوان نووي عليها، وهذا ماتم فعلا في قمة منطقة الامن والتعاون في اوربا المنعقدة في بوادبست في 5 يرنيو 1994، والتي بموجبها وقعت هذه الاتفاقية ودخول اوكرانيا في معاهدة عدم انتشار الاسلحة النووية.

  ان اتفاقية الضمان المعقودة بين اوكرانيا وموسكو وواشنطن تنص علي تسليم كييف أسلحتها الاستراتيجية الي موسكو خلال خمس سنوات اي في نهاية عام 1999، وحيث ان الناتو يعتبر اوكرانيا اكثر دول رابطة الدول المستقلة نضجآ في النواحي الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والجسر الذي يربط الشرق بالغرب، لذا فقد عقد معها ميثاق الناتو – اوكرانيا عام 1997 لتسهيل مهمة تسليمها لاسلحتها الاستراتيجية الي موسكو في الموعد المحدد، كما تعهد لها في هذا الميثاق بدعم سيادتها واستقلالها وتطورها الاقتصادي باعتبار انها انها ستصبح دولة غير نووية وذات اهمية لاستقرار الامن الاوربي.

  من جهة اخري فان قيام الدول الثلاث بتسليم اسلحتها النووية الي روسيا ، لم يرافقة تسليم ماتمتلكة من معدات ومواد نووية وخبرة علمية وتقنية ،وبالتالي فانها قادرة علي انتاج هذه الاسلحة من اجل السالم سيتيح لة حق الاشراف والمراقبة علي هذه الموارد والمعدات وضمان عدم تسربها الي جهات معادية، بيد ان اتفاقية برنامج الشراكة لا تشكل في تقديرنا حالة مطلقة وملزمة لهذه الدول كمعاهد عدم انتشار الاسلحة النووية المعقودة في عام 1968 لان الحلف توقع اتفاقية برنامج الشراكة من اجل السلام شرطآ من شروط العضوية الجديدة ،وكالية لممارسة وظائف السياسية والاقتصادية والعسكرية في رحاب استراتيجية التوسع نحو الشرق ،وجاء توقيع دول رابط الدول المستقلة عليها خشية من عودة الهيمنة الروسية القديمة ،وللحوصول علي مساعدات الغرب لانعاش وتطوير اقتصاداتها واصلاح اوضاعها الاجتماعية ،ومن ثم فان المستقبل قد يشهد تراجع هذه الدول عن هذه الاتفاقيات اذا لم تؤيد الي تحسين اوضعها وانضمامها الي الناتو ، اواذا ماتشكلت لديها اقتناعات بان مصالحها الامنية هي في الارتباط بموسكو وليس الغرب ،لذلك فان قيام الناتو بوضع هذه الدول ضمن المرحلة الاخيرة من التوسع هو تعبير عن قصور استراتيجي لانة سيعطي موسكو هامش كبير للحركة ويمكنها من ترتيب او ضاعها السياسية والعسكرية مع الرابط الي حد التفاهم الاستراتيجي ،ومثال ذلك الدعم الذي قدمة الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين لكل من الرئيس الاوكراني ليونيد كوتشما ورئيس روسيا البيضاء الكسندر لوكاشنكو للفوز في انتخابات الرئاسية في بلديهما عام 1994م.

رابعآ : معضلة النزاع التركي- اليوناني

    تدور فصول النزاع التركي – اليوناني علي جزيرة قبرص ذات الموقع الاستراتيجي المهم في حوض البحر الابيض المتوسط ، والذي جعلها بمنزلة منطقة تجارة حرة مع اوربا ومركزآ للاستثمارات والسياح الاجانب ،وقد نالت هذه الجزيرة استقلالها من الاستعمار البرطاني بموجب معاهدتي زيورخ ولندن المعقودتين بين بريطانيا وتركيا واليونان في عام1960،وتحولت الي جمهورية رئاسية تولي قيادتها انذاك الرئيس كاريوس ،ونص دستورها الصادر في عام نفسة علي:

1-ان تكون قبرص جمهورية مستقلة وذات سيادة ،وتتكون من طائفتين متساويتين في الحقوق والواجبات احدهما يونانية والاخري تركية.

2-انشاء محاكم منفصلة لكل طائفة واخري مستركة.

3-يكون لكل طائفة حق الفيتو علي النواحي التشريعية .

4-تقسيم مقاعد البرلمان علي اساس 35مقعدآ لليونانيين و15 مقعدآ للاتراك والمناصب الوزارية بنسبة 3:7 لمصالح اليونانيين ،اما القوات المسلحة فتقسم نسبة 60% لليونانيين و40% للاتراك علمآ بان عدد المقاعد في مجلس النواب قد زاد لاحقآ ليصبح 80 مقعدآ ،ينتخب اليونانيون منها 56مقعد،والاتراك 24 مقعد.

  تضمن الدستور ايضآ مضمون معاهدتي الاستقلال الذي يعطي الحق لكل من تركيا واليونان في التدخل لحماية الطائفة التي تعود اليها في حالة تعرضها للعدوان من الطائفة الاخري .

اجري الرئيس السابق مكاريوس في عام 1963 تعديلا دستوريآ قلص بموجبه من الحقوق الممنوحة للطائفة التركية في النواحي التشريعية والبرلمانية والجيش والمناصب الوزارية ، مادفع هذه الطائفة الي الاستنكار والاستباك مع الطائفة اليونانية ،حاولت تركيا التدخل لحماية الطائفة التركية استنادآ معاهد الاستقلال ونصوص الدستور القبرص ،ولكنها تراجعت بعد التحذير الامريكي لها من مغبة ذلك ،واحتمالات تحول تلك الازمة الي حرب مع اليونان ،الامر الذي يضعف الجبهة الجنوبية للناتو ويعطي الاتحاد السوفيتي فرصة للتدخل فيها ، فتحولت الازمة الي مجلس الامن الذي اصدر قراره رقم (186) عام 1964القاضي بارسال قوات حفظ السلام للجزيرة.

بقيت الامور في الجزيرة بين مد وجزر حتي عام 1974،عندما دبر النظام العسكري في اليونان انقلابآ اطاح بموجبة الرئيس مكاريوس من اجل ضم الجزيرة كليآ الي اليونان ،فسارعت تركيا وارسلت قواتها التي سيطرت علي حوالي ثلث الاراضي القيرصية ،وبالتالي انقسمت الجزيرة الي قسمين ’احدهما شمالي تابع لتركيا والاخير جنوبي تابع لليونانوعقبت ذلك اعلان تركيا في عام 1983 ان القسم الشمالي للجزيرة جمهورية تابعة. لها  ولم يحظي هذا الاعلان باعتراف اي دولة ،مما ابقي  ،المشكلة معلقة حتي عام 1997، حيث  تفجرت منجديد بعد ان قرار الاتحاد الاوربي ضم ست دول اوربية الية من ضمنها قبرص ،وهو امر اعتبرتة اتقرة قرارآ خطأ،لان قبرص اليونانية لايحق لها التحدث باسم قبرص التركية ،اضافة الي ان معاهدتي الاستقلال عام 1960 تنص علي عدم جواز انضمام الجزيرة الي اي منطقة تنتمي اليها برطانيا اوكرانيا واليوانان ،وبغية احباط هذا القرار سارعت تركيا الي عقد اتفاق ارتباط مع رئيس الطائفة التركية يمهد لعملية اندماج جزئي بتركيا ،ثم التهديد بانها ستتخذ اجراءات اقوي في حال اصرار الاتحاد الاوربي علي ضم قبرصان النقطة الجوهرية في الموضوع والمتمثلة في انعكاسات النزاع علي الامن الاوربي والاطلسي ، وقدرة الناتو علي اداء وظائفه ويمكن اجمال هذه الانعكاسات بالنقاط التالية :

1-ان النزاع احدث توتر في العلاقات بين عضوين رئيسيين في الحلف تارة باتجاه الحرب الكلامية واتهام كل طرف للاخر بانه يسعي الي بسط سيطرتة علي كل جزر بحرايجة ،وتارة اخري بالاستفزازات العسكرية ،اختراق طائرات كل طرف لاجواء الطرف الاخرومما لاشك فية ان سير النزاع بهذه الاتجاهات واستمراره دون حسم من شانة ان يهدد وحده الحلف ، ويحدث فية الانقسامات الداخلية ،والمثال علي ذلك ان المانيا تؤيد بشده مسالة انضمام قبرص للاتحاد الاوربي وترفض انضمام تركيا تحت شعار سجلها السيئ في مجال حقوق الانسان ،وعدم هياكلها الاقتصادية لاقتصاد السوق الحرة ،وتناقص ثقافتها ومعتقداتها الدينية مع الثقافات والمعتقدات الغربية ،فضلا عن الاختلاف في الاهتمامات الامنية ،حيث الاتحاد الاوربي باوضاع الامن والاستقرار لدول وسط وشرق اوربا ،في حين تنحصر اهتمامات تركيا بمنطقة الشرق الاوسط واسيا الوسطي وحوض المتوسط ،وهذا مادفع المانيا حتي الي معارضة انضمام تركيا الي اتحاد غرب اوربا ،الجناح العسكري للاتحاد الاوربي.

2-  اما الولايات المتحدة الامريكية وفرنسا وبرطانيا فانها تتعاطف مع المساعي التركية للانضمام الي الاتحاد الاوربي بحجة ان ذلك يساعد علي سرعة اندماجها ضمن البيئة الاوربية  الجديدةويجعلها حليفا دائما للغرب من اجل مواجهة التهديدات التي تتعرض لها المصالح الغربية في اسيا الوسطي والشرق الاوسط وبالتالي فان عدم انضمامها الي الاتحاد الاوربي يمثل خسارة لهذه الدولة التي ظلت تخدم الناتو طوال الاربعين سنة الماضية.

3-ان هذا النزاع من شانه ان يجعل الحلف والاتحاد عرضة للابتزاز السياسي من قبل تركيا واليونان ،والمثال علي ذلك ان اليونان تعارض انضمام تركيا الي الاتحاد الاوربي اواتحاد غرب اوربا الا بعد تسوية المسالة القبرصية ، بل تطالب الاتحاد الاوربي بقطع مساعداتة الاقتصادية لانقرةاما تركيا فانها تهدد باستخدام الفيتو علي توسيع الناتو نحو الشرق ما لم تحصل الموافقة الاوربية علي انضمامها الي الاتحاد الاوربيكما انها تعارض المطالب اليونانية بانشاء ادارة جديد للحلف في مدينة لارسا لتكون موازنة للادارة الموجودة في ازمير، وبالتالي فان هذا الابتزاز قد يشوه العلاقات القائمة بين الحلف والاتحاد ويعوق دور كل منهما في بناء الامن الاوربي والاطلسي ،الي حد ان الوسيط الامريكي للازمة القبرصية ربتشارد هولبرك قد عبر في عام 1997 عن استيائة من الاسلوب الاستفزازي الذي يتعامل فية الاتحاد الاوربي مع تركيا ،وطالب بعدم غلق الابواب امامها كليآ حتي لا تتعطل العلاقات الامنية وغير الامنية بين الاتحاد والحلف.

4-ان استمرار النزاع وعدم حسمه من قبل الحلف بشكل يرضي المطالب التركية قد يصرف انقرة عن الاهتمام بالدور الكبير الذي اوكلت علية لمواجهة الازمات التي توجة الناتو في قوسي الازمات الجنوبية والشرقية ،وخاصة احتمالات قيام تحالفات او محاور بين الدول الاسلامية او بين الدول العربية تكون موجهة ضد المصالح الغربية ،ولعل اسوا سيناريو يمكن ان يترتب علي هذا الحالة هوان تهدد اتقرة بفك ارتباطها بالحلف ،والاتجاه نحو تقوية علاقاتها بالدول المجاورة لها في اسيا الوسطي والشرق الاوسط ،وخاصة انها تعيش في خصم عدم استقرار سياسي ،وان هناك امكانية لصعود الفئات الاسلامية الي سدة مرة اخري والتي من اهم اهدافها علي صعيد الشؤون الخارجية انها علاقة تركيا بالناتو والري الراجح ان هذا التوجة التركي يمكن ان يتغلغل داخل المؤسسة العلمانية التي يسيطر عليها الجيش لان تهاون الحلف في مسألة انضمام تركيا الي الاتحاد الاوربي سوف يمثل جرحا للمشاعر الزطنية والقومية فيها ، وعدم تقدير لخدماتها الطويلة للغرب ،وقد يكون هذا السيناريو احد الاسباب التي دفعت واشنطن الي تنشيط الدور التركي في الاستراتيجية الامريكية في الشرق الاوسط ،عن طريق تشجيع انقرة علي التوقيع اتفاق التعاون العسكري مع اسرائيل في عام 1996 بغية ابعاد فكرة فك ارتباطاتها الامنية بالغرب.

5-ان النزاع التركي – اليوناني يمكن ان يعطي روسيا فرصة لعرقلة توسيع الناتو نحوالشرق وبشكل خاص فى جنوب شرق القارة الاروبية التى يجرى فيها النزاع حيث تجمع العديد من المصادر على ان موسكو كانت السبب المباشر لتاجيج هذا النزاع عندما قامت فى عام 1996بعقد صفقه صواريخ "اس_300" مع قبرص بدعم  واسناد قويين من اليونان، بغية تمكين بيقوسيا من حماية نفسها ضد الخروقات الجوية التركية وضرب قواعدها الواقعة علي بعد 150 كيلو متر جنوبي تركيا ،كما انها قامت في العام نفسة بعقد اتفاقية مع اليونان لانشاء جامعة الشعوب الارثوذكية الرامية الي احياء الفكرة السلافية القديمة المناهضة لتركيا من حين ان كانت منطقة البلقان حاضعة للسيطرة التركية في القرن الماضي.

لقد بررت قبرص واليوانان عقد صفقة الصواريخ واتفاقية انشاء جامعة الشعوب الارثوذكية من اجل منع انقرة من التغلغل والهيمنة علي كل منطقة البلقان وبحرايجة وحوض المتوسط ،وبخاصة بعد ان قامت تركيا بعقد اتفاق التعاون العسكري مع اسرائيل ،كما انهما يستهدافان من ذلك اثارة تركيا والغرب والضغط عليها لاعادة فتح ملف الاومة القبرصية الذي ظل مجمدآ من عام 1974.

 اما موسكو فانها تستهدف بذلك دفع النزاع التركي – اليوناني الي حافة الهاوية ، بغية اشغال الغرب عن فكرة التوسع نحو الشرق ،وصرف انظار تركيا عن التغلغل في مناطق اسيا الوسطي والقواقاز ،والواقع ان موسكو منذ تولي يفجيني بريماكوف وزارة الخارجية الروسية عام 1996،وقد اخذت تستخدم في مواجهة استراتيجية الناتو في التوسع ،الاسلوب نفسة لدبلوماسية الاتحاد السوفيتي في الحرب الباردة ،والمتمثلة في تهديدالمصالح الغربية عن طريق خلق الازمات لها ،والتقرب وعقد التفاهمات والصداقات الاسترايجية مع بعض القوي الاقليمية والدولية التي تشكل تهديدآ لتلك المصالح مثل ايران والصين.

يبقي النزاع التركي –اليواناني من القضايا المهمة والمستعجلة التي تواجة استراتيجية الناتو في التوسع سواء في الحاضر اوالمستقبل ،لانة نزاع من الداخل ويمكن ان يشكل ارضية خصبة لبروز الاتقسامات الحادة بين الاعضاء الاصلين ،مما يصعب من خلالها اتخاذ قرارات حاسمة بشان التوسع ،وهذا مادفع واشنطن الي تكشيف جهودها للتوسط من اجل حسم النزاع عن طريق اقناع حلفائها الاوربيين في الناتو ،والذين هم اعضاء ايضآ في الاتحاد الاوربي ،بضرورة اقامة علاقة خاصة بتركيا تتضمن شقين ،احدهما اقتصادي ،وعبر منحها وضعآ تفضيليآ في حالات المبادلات التجارية ، وثانيها امني ، عبر مشاركتها الفعالة في الامن الاوربي عن طريق منحها العضوية الكاملة في اتحاد غرب اوربا وهذا الحل الوسط قد يرضي اطراف النزاع جميعها ، فلن ترفضة قبرص واليونان مادام ينطوي علي امكانية لحسم الازمنة بشكل نهائي وستقبلة تركيا باعتبارة خطوة اولية للانضمام الي الاتحاد الاوربي .

حلف الناتو بعد عام 1991م

حلف الناتو بعد عام 1991م

 اقتضت طبيعة التحولات التي حدثت في البيئة الدولية علي حلف الناتو ان يصبح جديداً ومختلفاً عما اعتاد ان يكون عليه منذ عام 1949م وحتي ديسمبر 1991م كان عليه ان يكون جديداً في تحديده لمنطقة عمله ، ولمبادئ عقيدته ، ولطبيعة وحداته وتشكيلاته العسكرية ، وللمهام العسكرية والسياسية التي تنتظره ، كل ذلك علي خلفية التجديد والتغيير في مدركاته للتهديد والخطر .

 كانت اوربا الغربية وامريكا الشمالية هما منطقة عمل حلف الناتو التقليدية في مرحلة الحرب الباردة ، اذ ان الالتزام الاساسي للحلف كان هو الدفاع عن اقليم اي دولة عضوء فيه ضد اي عدوان او هجوم او تهديد تتعرض له من الاتحاد السوفيتي او من حلف وارسو المضاد ، اما بعد سقوط حلف وارسو وانهيار الاتحاد السوفيتي فقد كان علي الناتو ان يذهب بانشتطه الي خارج منطقته التقليدية حتي لا يخرج من العمل الموكل اليه ، وقد بدأ خروج الناتو الي منطقة اوسع يشكل تدريجي بدءاً بالتوجه نحو منطقة حلف وارسو السابق واستقطابها لكي تتحول في علاقتها بالناتو من العداء الي التشاور والتنسيق والتعاون ومن ثم الانضمام لاحقاً الي عضويته وهو ماحدث بالفعل حيث انضم اليه في العام 1999م كل من المجر وبولندا وجمهورية التشيك بعد ان كانت الموافقة علي انضمامهما قد تمت قبل ذلك بعامين في قمة الناتو ببراغ عام 2002م كما تمت الموافقة علي انضمام سبعة دول اخري هي سلوفاكيا وليتوانيا ولاتفيا واستونيا ورومانيا وبلغاريا وسلوفينيا , وقد انضمت هذه الدول فعلاً الي الناتو في العام 2004م ومن بين الدول العشرة الجديدة التي انضمت الي الناتو ليس هناك سوي سلوفينيا التي لم تكن عضواً في حلف وارسو السابق ، وبانضمام هذه الدول الجديدة لم يعد خارج حلف الناتو من اعضاء حلف وارسو سوي اوكرانيا التي ترغب في الانضمام وروسيا الاتحادية وروسيا البيضاء بل ان الناتو قد ضم سلوفينيا التي كانت جزءاً من الاتحاد اليوغسلافي السابق ، وهو يعد ايضاً لضم دولاً اخري كانت جزءاً من ذلك الاتحاد ومن بينها كرواتيا .

فيما يخص العقيدة العسكرية للناتو فقد كانت تقوم اساساً في مرحلة الحرب الباردة علي الردع ، بما في ذلك الردع النووي مع الالتزام بمبداء عدم توجيه ضربة نووية اولي فلما زال الاتحاد السوفيتي وسقط حلف وارسو لم يعد هناك معني لبقاء مبداء الالتزام بعدم البدء بضربة نووية اولي ولكن استمر مبداء الدفاع عن الدول الاعضاء في الحلف قائماً مع تطويره لكي يصبح الدفاع عن المصالح الجماعية لهذه الدول وبخاصة خاريج اقاليمها بديلاً عن الدفاع من الداخل عن امن كل منها .

قد فرض التغير في العقيدة العسكرية تغيراً موازياً في حجم ونوعية الوحدات والتشكيلات العسكرية لحلف الناتو ، ففي مرحلة الحرب الباردة والوجود العسكري السوفيتي الكبير والضخم علي اراضي دول شرق اوربا ، كان الناتو محتاجاً الي الاحتفاظ بحجم كبير للوجود العسكري يأخذ شكل جيوش ووحدات وتشكيلات عسكرية ضخمة في العدد والعتاد ، وتعتمد علي انظمة اسلحة ثقيلة تتبني مبداء الدفاع من وضع الثبات الذي تتطلبه المواجهة المحتملة مع جيوش سوفيتية وشرقية ضخمة غير متحركة ، اما في مرحلة ما بعد الحرب الباردة ، فان تلك التشكيلات الضخمة الثابته لم يعد لها ما يبررها ، بل علي العكس اضحي ضرورياً ان تتغير الي تشكيلات صغيرة الحجم خفيفة التسليح سريعة الحركة تستطيع ان تقوم بتنفيذ المهام العسكرية الجديدة المطلوبة منها خارج اراضي الدول الاعضاء في معظم الاحوال ، سواء كانت مهام تدريب قوات اجنبية او المساهمة في عمليات حفظ السلام او قيادتها ، او التدخل السريع في مواقع الازمات ، او الاشراف علي تأسيس أكاديميات عسكرية ، وغيرها من المهام والانشطة التي اتسمت بها مرحلة ما بعد الحرب الباردة .

وطبيعي ان كل التغيرات في العقيدة والمفاهيم وتحديد منطقة العمل والمهام والانشطة العسكرية المطلوبة لم يكن لها ان تحدث لولا تغير في طبيعة التهديدات الموجهة الي دول الحلف وفي ادراكها لتلك التهديدات ، فبعد ان كانت استراتيجية الناتو خلال مرحلة الحرب الباردة تقوم علي التصدي لعدو واضح وكبير هو الاتحاد السوفيتي ومنظومة حلف وارسو ، تميزت مرحلة ما بعد الحرب الباردة بغياب ذلك العدو فاصبحت استراتيجية الناتو بلا عدو واضح المعالم ، ومع انهيار جدار برلين وانتهاء نذر المواجهة بين الشرق والغرب ، تغير المظور والمفهوم والمنهج في استراتيجية الناتو ، من المواجهة الي التعاون لاحتواء الازمات القائمة ومحاولة منع الازمات المحتملة ما امكن ذلك وخاصة في شرق ووسط اوربا ، فصارت مهمة حلف الناتو هي التعامل مع التداعيات السياسية والاجتماعية للوضع الجديد الذي اخذ شكل ازمات حادة في البلقان ، واحتمال معاناة دول شرق اوربا من مستقبل صعب من المنظور الامني ، واصبحت دول اوربا الغربية مهددة تحت ضغط المهاجرين وعصابات المافيا وتجار السلاح ، ومن هذه الزاوية كان التعامل مع الازمات التي حدثت في البوسنة وكوسوفا .

لم يكن استخدام السلاح والحرب لتحقيق ذلك الا جزءاً يسيراً من عمل الحلف ، اما الجزء الاكبر فكان التعامل مع مجتمعات مثخنة بالجراح ، فقد انضم الي الحلف عشر دول بعد ان حققت تحولات ديمقراطية واقتصادية وسياسية ملحوظة .

منذ سقوط جدار برلين اصبحت الابعاد العسكرية المدنية – الامنية للتحولات والتغيرات والاصلاحات في اوربا الشرقية هي جوهر عمل حلف الناتو في فترة ما بعد الحرب الباردة التي خرج منها منتصراً .

ولم يكن الاصرار الامريكي علي استمرار الناتو رغم انهيار حلف وارسو مدفوعاً فقط بالرغبة في التأكيد علي معني الانتصار في الحرب الباردة ، ولكن استمرار الناتو كان من اجل توسيعه شرقاً ليسيطر علي منطقة حلف وارسو السابق ، لانه ان ترك هذه المنطقة لتفاعلاتها الذاتية السياسية والاقتصادية في التصور الامريكي كان يمكن ان ينتهي الي ازمات او كوارث او حالة مزمنة من عدم الاستقرار والفوضي التي تهدد امن اوربا التي تهدد امن اوربا الغربية بل والامن عبر الاطلسي ، ولم تنسي الولايات المتحدة ان شرارة الحروب الكبري عالمية او اقليمية كانت تنطلق من هذه المنطقة او تكتسحها ، ومن ثم فان دخول الناتو الي هذه المنطقة وضم دولها اليه بعد اعادة تاهيلها سياسياً واقتصادياً كان من شانه ان يمنع تحول تلك المنطقة الي بؤرة الخطر التي يمكن ان تمثل تهديداً جدياً لامن اوربا والعالم .

 فضلاً عن ذلك اهتم حلف الناتو باحتواء هواجس روسيا الناتجة عن تمدد الحلف شرقاً وملئه الفراغ الناشئ عن زوال حلف وارسو ولذلك انشأ الناتو في عام 1997م (المجلس الدائم المشترك لعلاقة الناتو_ روسيا) كما انشأ مجلس التعاون مع اوكرانيا حيث تتم مناقشة الامور الامنية والمهام المشتركة في عمليات حفظ السلام وادارة الازمات ، وسبل منع انتشار اسلحة الدمار الشامل ، وموضوعات حماية البيئة ، والتخطيط لمواجهة الكوارث الانسانية والطبيعية .

  في ابريل 1999م ومع الاحتفال في واشنطون بالذكري الخمسين للناتو وبانتصاره في الحرب الباردة تقرر تعديل المادة الخامسة من معاهدة انشاء الحلف والتي تقوم عليها استراتيجيته بالاساس ، كي تسمح بتوسيع مجالات تدخل الحلف عسكرياً لتشمل التدخل لاسباب انسانية وعمليات حفظ السلام والعمل علي منع الانتشار النووي داخل اوربا وخارجها وقد ترجمت ذلك التعديل من خلال الادوار التي قام بها الحلف في كوسوفا وافغانستان والعراق وباكستان ومؤخرا ليبيا .

في ضوء التغير الذي لحق بطبيعة التهديد الذي يواجهه الناتو بعد عام 1991م اذداد اهتمامه بمنطقة جنوب وشرق البحر الابيض المتوسط ، ثم اتسع نطاق تلك المنطقة بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر ليشمل ما اصبح يعرف امريكياً وغربياً بالشرق الاوسط الموسع وشمال افريقيا .

 لقد اضحت منطقة المتوسط تمثل مصدراً محتملاً للتهديد اذا ما نشات عمليات كبري للهجرة غير المشروعة الي اوربا ، فضلا عن انشطة تهريب المخدرات والاتجار بها عبر البحر المتوسط ، وكذلك العمليات المحتملة التي يمكن ان تستهدف ناقلات النفط وحركة السفن وهي تهديدات غير تقليدية ويتعامل معها الحلف بصورة جدية .

ومن هنا دشن الحلف في عام 1994م برنامج (حوار المتوسط) مع خمسة من دول جنوب وشرق المتوسط هي المغرب وتونس ومورتانيا ومصر واسرائيل ، ثم سرعان ما انضمت الاردن بعد ذلك بشهور ، وفي عام 2000م انضمت الجزائر ، لتصبح هنالك سبعة دول متوسطية تشارك كل منها فرادي في حوار وتعاون امني مع حلف الناتو بصيغة 26 + 1 وذلك علي اساس ان الحوار والتفاوض الذي يتم بين حلف الناتو بدوله ال26 وبين كل من دول حوار المتوسط علي حده ، يزيد من القوة التفاوضية للحلف واعضاءه في مواجهة كل من دول المتوسط ويجعلها اشد كثيراً مما يمكن ان تكون عليه فيما لو جري الحوار علي اساس صيغة 26 مجموع دول الناتو + 7 مجموع دول حوار المتوسط ، كما ان صيغة 26+ 1 تجنب تعاون الناتو مع المتوسط اية اثار سلبية ناجمة عن التصورات والمواقف والسياسات المتباينة بين دول المتوسط السبع اعضاء برنامج الحوار ، وكذلك عن أية صراعات اقليمية مستعصية علي الحل فيما بين بعضها البعض .

الملاحظ ان ثلاثاً من الدول العربية المتوسطية هي ليبيا وسوريا ولبنان ما تزال خارج الحوار المتوسطي مع الناتو لاسباب مختلفة ، لكن غياب هذه الدول يعني في حد ذاته ان القرار فيما يتعلق بادارة برنامج الحوار المتوسطي وان بداء علي السطح انه قرار مشترك بين الناتو والشركاء المتوسطيين هو بالاساس قرار الحلف .

RECENT EVENTS

Prev Next

Featured Publications

Facebook

CONTACT US

Address: St. #3, Amarat, Khartoum, Sudan

E-mail:info@grcsudan.org

Telephone: +249-183-269739

Fax: +249-183-269728

http://www.grcsudan.org