Login

Register

User Registration
or Cancel

The best bookmaker bet365

Best bookmaker bet365 register

Headlines

دراســـــة عن زيــــــارة الرئيس لروسيـــا وأثرهــــا فــــي مستقبـــــل العلاقــــات السودانيـــــة الأمريكيـــة

 

إعداد: د لبنى عبد العزيز 

مقدمة

امتدت العلاقات الثنائية بين السودان وروسيا منذ أمد بعيد حتى أصبحت ضاربة في جذور التاريخ عام 1956م عندما تم توقيع عدة اتفاقيات طويلة الأمد التي ساعدت على تطوير التعاون بين البلدين في كافة المجالات، وقد مرت العلاقات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية وحتى العسكرية بين السودان والاتحاد السوفيتي قبل الانحلال والشتات بين مكوناته الجمهوريات مرت بالعديد من المراحل وحالات الشد والجذب بدءاً من مطلع السبعينيات عندما قطع السودان علاقاته الدبلوماسية والاقتصادية بروسيا من جانب واحد وظلت علاقات البلدين فاترة وساكنة دون تفاعل حتى عام 1985م بعدها بدأت العلاقات بين البلدين تعود إلى مجراها تدريجياً وبخطى أسرع، وفي عام 1991م أعلنت الخرطوم اعترافها الرسمي بروسيا الاتحادية كما قام وزير الخارجية مصطفى عثمان إسماعيل ولام اكول آنذاك بزيارتي عمل إلى موسكو عام 2001م كما وقع البلدان عدة اتفاقيات تعاون أبرزها التعاون الدبلوماسي بين البلدين وشهدت الدورة الثالثة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2003م لقاء الأستاذ علي عثمان محمد طه النائب الأول لرئيس الجمهورية من جانب ووزير الخارجية الروسي من جانب آخر.

 

تسارعت الأحداث السياسية والاقتصادية والعسكرية وأصبحت علاقات البلدين أقوى استقراراً حتى زار وزير الدفاع بكري حسن صالح روسيا وتم أثناء الزيارة إعداد اتفاقية التعاون العسكري التقني بين الحكومتين السودانية والروسية وعند بروز قضية دارفور زار الفريق الركن عبد الرحيم محمد حسين الذي كان يشغل منصب الممثل الخاص للرئيس في شؤون دارفور وروسيا ثلاث مرات الأولى في عام 2004م حينما كان يتولى منصب وزير الداخلية، وفي عامي 2006م و2008م إبان توليه منصب وزير الدفاع وهدفت الزيارة في كل مرة إلى تسليم رسالة إلى رئيس روسيا خاصة بمسألة دارفور.

المهم إن التعاون بين البلدين استمر في عدة جوانب حتى وصل إلى باحات المجلس الوطني السوداني عندما زار أحمد إبراهيم الطاهر رئيس الجمعية الوطنية السودانية موسكو وبعد عام من زيارة الطاهر لموسكو وصل الخرطوم وفد مجلس الاتحاد الروسي الخرطوم أما في المجال التجاري والاقتصادي فقد وصل التعاون إلى جوانب كثيرة بأشكال مختلفة حتى أصبحت مجموعات الطائرات الروسية من أكبر المجموعات المرابطة خارج روسيا والتي تقدر بحوالي 35 طائرة ومروحية روسية تقوم برحلات جوية في إطار البرامج الإنسانية لهيئة الأمم المتحدة.

ويحسب الدكتور هاشم حسين بابكر الباحث في العلاقات السودانية الروسية أن روسيا الفيدرالية أظهرت اهتماماً بالغاً وكبيراً بالقضايا السودانية كما يبدو واضحاً اهتمام روسيا بالقضية الدارفورية من خلال تصريحات نائب وزير الخارجية  الروسية ومبعوث الرئيس الروسي الخاص إلى الشرق الأوسط في لقاء جمعه بالدكتور التجاني السيسي رئيس السلطة الإقليمية في دارفور وأعلن الجانب الروسي استعداده لتقديم لدعم والشراكة الناجحة الرامية إلى تعزيز السلام والاستقرار في دارفور باجراءات فعالة تصب في تقوية الاقتصاد والبنية التحتية والاجتماعية وتقديم الدعم الإنساني اللازم للسكان وحتى في حالات ركود العلاقات بين الخرطوم وموسكو ظلت السفارتان في البلدين تقومان بدورهما دون توقف ودون أن تتأثر بذلك الركود أو التذبذب فقد كانت علاقات البلدين قبيل الإنقاذ وحتى  بعد وصول ثورة الإنقاذ التي انتهجت نهجاً واضحاً في مواجهة الدول الغربية فكانت أناشيد الحماس التي يطلقها المجاهدون وطلاب الخدمة الوطنية أمريكا وروسيا قد دنا عذابهما وغيرهم تتماشى مع سياسة دولة إرادة السياسة والريادة في تعاملها مع الدول غير أن علاقات الخرطوم بروسيا ظلت ثابتة ولم تتأثر كثيراً وظلت الدبلوماسية أكثر نشاطاً بين البلدين حتى وصلت إلى ما هو عليه اليوم.

وسنحاول في هذه الورقة استعراض زيارة السيد رئيس الجمهورية المشير عمر حسن أحمد البشير إلى روسيا وأثرها على العلاقات السودانية الأمريكية.

أسئلة الورقة

تطرح هذه الورقة عدة أسئلة

1.   ما أهداف زيارة السيد الرئيس لموسكو؟

2.   ما هو مستقبل العلاقات السودانية الروسية في ظل المتغيرات الإقليمية بالمنطقة؟

3.   ما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه روسيا في حل القضايا السودانية؟

4.   ما مدى تأثير هذه الزيارة على العلاقات السودانية الأمريكية بعد رفع الحظر الاقتصادي عن السودان؟

سنحاول الإجابة على هذه الأسئلة  من خلال التحليل الإستراتيجي لهذه الزيارة ومخرجاتها.

انهيار الاتحاد السوفيتي والعلاقات السودانية الروسية

بعد تفكك الاتحاد السوفيتي في عام 1991م ، وقيام دولة روسيا الاتحادية ، أعلن السودان اعترافه الرسمي بروسيا الاتحادية ، كما قام وزير الخارجية مصطفى عثمان بزيارة  إلى موسكو في  نوفمبر 2001م ، وخلال الدورة الثامنة والخمسين للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2003م وقع وزير الخارجية السوداني والروسي البروتوكول الخاص بإجراء المشاورات وإقامة التعاون في مجال رفع كفاءة الكوادر الدبلوماسية . كما تم توقيع بروتوكول التعاون بين الأكاديمية الدبلوماسية لوزارة الخارجية الروسية والمركز الدبلوماسي  في الخرطوم . أيضاً تمت زيارة لوزير الخارجية السودانية لموسكو في مايو 2006م . كما جرى لقاء بين وزيري خارجية البلدين في سبتمبر 2006م ، وذلك على هامش الدورة الحادية والستين للجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة . وأيضاً شهدت الدورة الثالثة والستين للجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة لقاء وزير الخارجية الروسي من جانب ونائب رئيس السودان آنذاك الاستاذ علي عثمان محمد طه من جانب آخر ، كانت هذه الزيارات واللقاءات لتطوير العلاقات الدبلوماسية بين البلدين(1).

تطورت العلاقات لتشمل مجالات آخرى ، ففي أبريل 2002م ، زار وزير الدفاع السوداني بكري حسن صالح روسيا. وتم اثناء الزيارة التباحث حول التعاون العسكري التقني بين الدولتين . وتم توقيع الاتفاقية الخاصة بذلك في مارس 2003م خلال الزيارة التي قام بها إلى الخرطوم يوري خوزيانينوف نائب رئيس لجنة التعاون العسكري والتقني الروسية.

كما زار عبد الرحيم محمد حسين ككمثل خاص لرئيس السودان لشئون دارفور موسكو ثلاث مرات ، كانت المرة الأولى في أكتوبر 2006م وكان يومها يتولى منصب وزير الداخلية ، وفي عامي (2006 و2008) وهو يتولى منصب وزير الدفاع ، وهدفت الزيارات إلى تسليم رسائل رئيس السودان إلى رئيس روسيا في مسألة دارفور . كما زار موسكو أيضاً في ديسمبر 2006م اللواء صلاح عبد الله محمد صالح رئيس جهاز الأمن السوداني.

تطورت العلاقات بين برلماني البلدين ففي يونيو 2004م قدم إلى موسكو في زيارة عمل أحمد إبراهيم الطاهر رئيس المجلس الوطني السوداني . أما في فبراير عام 2005م فقد زار السودان وفد لجنة السياسة الإعلامية لمجلس الاتحاد الروسي ، وفي نوفمبر 2006م زار ميخائيل مارغيلوف رئيس لجنة الشئون الدولية في مجلس الاتحاد الروسي السودان ، وفي نوفمبر 2008م زار موسكو الوفد البرلماني السوداني تبعها مارغيلوف بزيارة السودان زيارة رسمية في فبراير 2009م .

مستقبل العلاقات الروسية السودانية :-

تعد العلاقات السودانية الروسية تاريخية وقوية ومتينة ووثيقة ولها دور كبير فى دعم مواقف السودان الخارجية وظلت روسيا على الدوام تشكل الملاذ الآمن و صديقا وفيا للسودان اذ تحتاج العلاقات الثنائية دفعة كبيرة لتعزيز التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والإستراتيجية.

وشهدت الآونة الأخيرة تبادل عدد من الزيارات حيث بحث د. نافع على نافع مساعد رئيس الجمهورية في زيارته لروسيا في العام 2013م مع وزير خارجية روسيا العلاقات الروسية السودانية وسبل دعمها وتطويرها خاصة في المحافل الدولية ،ومن جانبه أشاد المبعوث الروسي بالجهود التي تبذلها الحكومة السودانية في سبيل العمل علي معالجة القضايا العالقة بين السودان ودولة جنوب السودان مؤكدا اهتمام روسيا وسعيها الدؤوب لإزالة ومعالجة القضايا الشائكة بين البلدين مشيدا بالعلاقات المتميزة بين السودان وروسيا وأضاف الدكتور مصطفى عثمان إسماعيل وزير المجلس الأعلى للاستثمار في حواره مع( إفريقيا اليوم) حول الزيارة أن روسيا سوف تعود لأفريقيا عبر السودان، لافتا أن العلاقات مع روسية متميزة وان زيارة د. نافع علي نافع لروسيا أول زيارة بهذا المستوى برئاسة مساعد رئيس الجمهورية رتب لها جيدا منذ فترة ممثل الرئيس الروسي لأفريقيا والسودان،وجمعية رجال الأعمال السودانية الروسية برئاسة رجال الأعمال الروس، وكان لنا دور في هذه الزيارة، الزيارة كانت لها أهداف سياسية واقتصادية وثقافية، وكان وفد الزيارة مكون من وزير الاستثمار ووزير العلوم والتكنولوجيا ووزير المعادن ووزير مجلس الوزراء برئاسة مساعد رئيس الجمهورية دكتور نافع، على مستوى السياسية هناك قضايا للسودان في مجلس الأمن(1).

والدور الذي يمكن أن تلعبه روسيا في هذه القضايا، وتطرق الوفد بإسهاب لقضية دارفور، والعلاقة مع الجنوب، وجرى لقاء مع المبعوث الروسي للسودان وجنوب السودان، ثم نائب وزير الخارجية الروسي، ثم وزير الخارجية، الوفد التقى السفراء العرب والأفارقة وشرح لهم تطورات الأوضاع في السودان، أيضا الوفد قدم ندوة في الأكاديمية الروسية شارك فيها مجموعة من الدبلوماسيين والأكاديميين والسياسيين الروس، وكانت عن الأوضاع بالمنطقة، وتطرقنا للأوضاع بالسودان، وقضايا الربيع العربي، وما يجري في سوريا، وكانت ندوة كبيرة في الحضور، وأجرينا لقاءات إعلامية، واستطعنا أن نوصل رسالتنا السياسية بطريقة واضحة، في الجانب الاقتصادي التقى وزير المعادن بنظيره الروسي وتم توقيع اتفاقية للتعاون(1).

السودان وروسيا إستراتيجية التوازنات في العلاقات الدولية

أسئلة كثيرة حول التطورات الجارية في مواقف السودان من الهموم والقضايا الإقليمية والدولية والعلاقة المتأرجحة والمأزومة مع الولايات المتحدة الامريكية، ويلاحظ أن البعض إنساق للوهلة الأولى وراء تفسيرات وتأويلات للزيارة وتمخضاتها قد لا تتسق مع واقع الحال، فالعلاقة السودانية الروسية ليست وليدة اللحظة، وما طرحه السيد الرئيس في لقاءاته واجتماعاته في المنتجع الشتوي للرئيس بوتين في مدينة (سوتشي) وما تم من توقيع لاتفاقيات في مختلف مجالات التعاون، هو تتويج لتفاهمات واتفاقيات سابقة وترفيع للعلاقة إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية مع حليف دولي مهم بالنسبة للسودان.

 علاقة السودان وصداقته القوية مع روسيا، طرحت فيها من قبل هذه الأفكار والمقترحات، وكانت كلها تنتظر زيارة السيد الرئيس لإعلانها وبدء تنفيذها، وأخيراً بعد أن أسند ملف العلاقة مع دول البريكس الذي يضم روسيا والصين والهند جنوب إفريقيا والبرازيل للدكتور عوض الجاز( كان وزيراً للنفط في فترة التسعينات، ثم وزير للمعادن لاحقاً والآن مستشار للرئيس) دبت الروح وبدأت تسري وتيرة العمل الدؤوب لتطوير وترقية العلاقات مع هذه الدول، وكان واضحاً أن العلاقة مع روسيا ستنتقل إلى طور جديد تتجاوز ما كانت عليه في السابق، والآن حاذ السودان على علاقة متينة وراسخة وفاعلة ونشطة ومنتجة مع دولتين هما عضوان دائمان في مجلس الأمن الدولي يملكان حق النقض، وفي ذات الوقت هما عنصران نشطان ومؤثران في السياسة الدولية، يمثلان خير ظهير لبلادنا في ساعات العسرة، وقد جربناهما في هذا الشأن في مواطن كثيرة خاصة في قضايانا في مجلس الأمن الدولي وآخرها موضوع خروج اليوناميد وقضية حظر تصدير الذهب، كما أن السودان كان خير صديق لروسيا وهو من بين عشر دول وقفت مع موسكو إبان الأزمة الأوكرانية وقضية جزيرة القرم في عام 2014م، وصوت لصالح روسيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة عندما طرحت القضية أمام المنظمة الدولية(1).

 ليس هناك جديد يثير الدهشة أو الاستغراب في المحصلة التي انتهت عليها الزيارة أو ما طلبه السيد الرئيس من الصديق الروسي الحميم، فكانت فأصلاً هناك أطروحات تم التفاكر فيها من قبل، وأذكر هنا أنه في زيارة سابقة للدكتور نافع علي نافع عندما كان مساعداً لرئيس الجمهورية ونائباً لرئيس المؤتمر الوطني لموسكو قبل عدة سنوات، طرح موضوع القاعدة العسكرية الروسية وكيفية تطوير العلاقات العسكرية وإعادة تأهيل القوات المسلحة السودانية ودعمها بنظم تسليحية حديثة ودعم سلاح الطيران والدفاع الجوي، بالإضافة الى موضوع الطاقة النووية، وذكر الدكتور عوض الجاز مسؤول الملف قبل فترة قصيرة أن آفاق التعاون غير محدودة مع روسيا، وأشار فيها إلى نفس الجوانب التي تم فيها الاتفاق خلال زيارة السيد الرئيس.

وفي السياسة الدولية والعلاقات بين الدول، تقوم الأحلاف والمحاور الدولية بين طرفين أو عدة أطراف، على تطابق كامل في الأهداف الاستراتيجية وفرص التعاون المشتركة وفق محددات واضحة، وقد توصل السودان وروسيا إلى هذا التطابق ولديهما الرغبة المتبادلة في تقديم أنموذج مثمر لهذا النوع من العلاقات فيه تبادل حقيقي للمنافع والمصالح من أجل تحقيق تطلعات الشعبين، فاذا كانت المنطقة العربية والإفريقية تشهد تطورات وتحولات وتغييرات مهمة وخطيرة ربما تقلب الموازين الدولية نفسها، فيتوجب ألا يكون السودان بعيداً عن بؤرة هذه التحولات حتى لا تجرفه السيول او تداهمه العواصف والزلازل، وتعرف القيادة السودانية جيداً ماذا تعنيه العلاقة الاستراتيجية مع روسيا؟

 ولا تخطئ العين على الإطلاق، أن دول المنطقة العربية التي تعيش حالات انتقال وتشهد تحولات ضخمة مبنية على نشوء ظروف وتحالفات جديدة قد تغير تركيبة المنطقة برمتها وتنسف قديمها، فلماذا ينتظر السودان حتى تهب الرياح؟ فمن حقه أن يختار اتجاهاته ويحدد خياراته التي أقلها البحث عن مصالحه الحقيقية ومنافعه الحيوية وما يضمن له استقراره وأمنه ودوره.

إذا كانت زيارة السيد الرئيس عمر البشير إلى جمهورية روسيا الاتحادية تعد فتحاً جديداً في مسار الترابط والتعاون بين البلدين، ونقطة تحوُّل كبيرة في مستقبل هذه العلاقة، ينبغي أن ينظر إليها بمنظار يتجاوز الجوانب الظرفية التي تمت فيها، الى أبعادها الإستراتيجية وما تم تتويجه من جهود سابقة، ويجب أن نعترف أننا تأخرنا كثيراً من جانبنا في الاهتمام بعلاقاتنا مع روسيا، لأن الرهانات السابقة على تحسين العلاقات مع الغرب والولايات المتحدة كانت في صدارة الأجندة الدبلوماسية رغم احتفاظ السودان بروسيا كحليف دولي صنو مع الصين، وهما حليفان دوليان لم يخذلا السودان يوماً ولم يتوقفا عن دعمه في كل المحافل الدولية، أو يتأخرا في نجدته في الملمات.

 ونتيجة لتأخر السودان في اتمام العلاقة الإستراتيجية مع روسيا، ضاعت فرص ثمينة كانت يمكن أن تُحدث تغييراً كبيراً في واقع بلادنا الحالي ولكانت الأوضاع غير هذه الأوضاع التي نعيشها اليوم، وليس هذا الأمر في عهد الإنقاذ وحدها ولكن تاريخ العلاقة مع موسكو هو تاريخ الفرص الضائعة والسوانح التي ذهبت مع الريح منذ ستة عقود تقريباً من أيام الاتحاد السوفيتي العظيم .

 في إطار العلاقة الإستراتيجية والتعاون في مجالات التنسيق السياسي وتطوير القدرات العسكرية للقوات المسلحة السودانية، كانت توجد تفاهمات مبنية على تاريخ ليس بالقصير، باعتبار السودان يعتمد على التسليح الروسي، فقد تم التفاكر حول كيفية تطوير العلاقة من مجرد بائع ومشترٍ للسلاح الروسي الى تعاون أكبر واتفاقيات تجعل من الجيش السوداني قوة عسكرية حديثة متطورة تعتمد على تقنية حديثة في المجالات المختلفة، إضافة الى تفاهم حول قواعد عسكرية و وجود أكثر فاعلية لروسيا في المنطقة خاصة في البحر الأحمر، وكان الحديث يومها بين الجانبين قد وصل الى طور التنسيق حال امتلاك السودان لقمر اصطناعي للأغراض العسكرية والبيئية، وإعادة تنظيم وتشكيل القوات الجوية والبحرية والدفاع الجوي وغيرها، وإدخال تقانة عسكرية جديدة تكون الأسبق في القارة الإفريقية، إضافة الى التدريب والتصنيع الحربي .

 غير بعيد عن هذا، كان هناك اتفاق على إنشاء بنك روسي سوداني بيلاروسي، يكون مقره في مدينة منسك عاصمة روسيا البيضاء، لتوفير أي تمويل مطلوب في تنفيذ مشروعات البني التحتية في البلاد خاصة مشروعات الطاقة والسكك الحديدية والخزانات والسدود والطرق، بجانب تمويل وتحديث أسطول شركة الخطوط الجوية السودانية والمشروعات الزراعية الكبرى. وتعثرت الفكرة ليس لأي سبب سوى وجود عقبات صغيرة وسوء تقدير للفكرة أو الخوف من العقوبات الاقتصادية الأمريكية، والغريب أن فكرة البنك المشترك كانت تمثل إحدى أهم المخارج في ذلك الوقت من العقوبات الأحادية الأمريكية .

 وكانت الأفكار والمبادرات تشمل أيضاً مجالات البحث العلمي وفرص التدريب والتأهيل للمورد البشري السوداني في المؤسسات التعليمية والعلمية والبحثية الروسية، وتم التأكيد على هذه الأفكار في سنوات لاحقة بعد تلك السنة2012م، وطرحت بقوة في(23) اتفاقية تم بحثها التوقيع عليها في اللجنة العليا الوزارية المشتركة التي شهدت العاصمة موسكو آخر اجتماع لها في ديسمبر2016 ، شملت كل المجالات الاقتصادية والتجارية والعسكرية والعلمية والتبادلات التجارية والتعدين والبترول والطاقة الكهربائية والطاقة النووية للأغراض السلمية، وقد شهدت هذه الاجتماعات في شتاء 2016 في موسكو وتوقيع هذه الاتفاقيات وكان الجانب الروسي أكثر حماساً وحرصاً على تنفيذها، وتوجد ثقة كبيرة في قدرات السودان الطبيعية ومنتجاته الزراعية، وكان الطلب على الخضروات والفواكه والبقوليات والحبوب السودانية مثل السمسم والفول كبيراً جداً، بجانب رغبة الروس في تحويل السياح الراغبين في السياحة البرية في البحر الأحمر الى السودان، بل طلبوا مائة كيلومتر على ساحل البحر الأحمر كاستثمار إيجاري لإقامة منتجعات ذات خصوصية وتميز تتناسب مع احتياجات السائح الروسي(1) .

 وظلت التفاهمات والاتصالات قائمة بين الجانبين ولم تتوقف المباحثات والجهود الحثيثة لتنفيذ هذه الرغبات المشتركة، حتى جاءت زيارة السيد رئيس الجمهورية الحالية ولقائه مع الرئيس فلادمير بوتين ورئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف، ويذكر هنا أن وزير الخارجية الروسي سيرجي فيكتور لافروف عند زيارته السودان العام الماضي عبَّر عن اقتناعه بأهمية هذه الآفاق المفتوحة للتعاون المثمر والبنَّاء.(2)

أثر الزيارة في مستقبل أوضاع المنطقة العربية

عندما يُعلن الرئيس السوداني عمر البشير من موسكو، وبَعد لقائِه نَظيره الرّوسي فلاديمير بوتين مُعارضته لأيِّ مُواجهةٍ عَسكريّةٍ أو سياسيّةٍ بين العَرب وإيران، وأن ما تُعانيه المِنطقة من أزماتٍ سَببه التدخّلات الأمريكيّة الأوروبيّة التي ساهمت في تقسيم السودان، والرئيس أردوغان فاجأ الكثيرين عندما صَرّح للصّحافيين الذين كانوا على مَتْنِ طائِرته في طريق عَودَته إلى أنقرة، في خِتام قِمّة سوتشي الاستراتيجيّة الثلاثيّة التي جَمعته مع نَظيريه الروسي والإيراني، وأكّد أنّه لا يُعارض فَتح حِوارٍ مع الحُكومة السوريّة في دِمشق، ولَعلّ هذهِ الرّسالة الواضحة في مُفرداتها وتَوقيتها، وَصلت إلى الرئيس البشير، مِثلما وَصلت إلى الكثيرين في صُفوف التيّار الإخواني، وتُعطي إشارةً بحَتميّة التغيير والانتقال إلى مَرحلةٍ جديدةٍ عُنوانها تَوجيه مُؤشّر البوصلة إلى موسكو، وإلى الزّعامة العالميّة الجديدة للرئيس بوتين بضَرورة التصدّي لهذا المَشروع وحُلفائه بأنّه “فَرْضْ عَين” وليس مُجرّد شِعاراتٍ جَوفاء.

التوجهات تجاه التحالفات الراهنة:

التحالف العربي فى اليمن:

-      شكلت الأوضاع فى اليمن والدور الإيراني فيها عاملاً حاسماً فى تكوين الحلف ودافعاً حيوياً لتعزيز التقارب السوداني السعودي والخليجي بشكل عام ، حيث لعب الموقع الاستراتيجي لليمن بعداً هاما للسودان والمملكه السعودية الى جانب دوافع ومحددات اخرى للسعودية من تكوينها للحلف أهمها المحددات الأمنية والسياسية والطائفية. فالمملكة ترى في اليمن عمقها الاستراتيجي وقد أدى صعود جماعة الحوثي السريع، واستيلاؤهم للسلطة والدولة في اليمن، إلى قلب موازين القوى، واختلال ضوابط وحدود التعامل بين السعودية واليمن وقواه السياسية والمجتمعية.[1] اذ تشكل علاقة إيران بجماعة الحوثي، وتقديمها لهم مختلف أشكال الدعم اللوجستي العسكري والفني والإعلامي، ضمن استراتيجية إيران في توسيع نفوذها ومحاولة التحكم في المنطقة، لذلك يُعد هذا التدخل الايراني محدداً محورياً في تعامل السعودية مع الحالة اليمنية. وتكون الحلف من عدة دول، بقيادة المملكة العربية السعودية ومشاركة كل من الامارات، قطر، الكويت، البحرين، المغرب، الاردن و السودان. كما أبدت كل من مصر و باكستان و السنغال رغبتها في المشاركة و وعدت الولايات المتحدة الامريكية  بتقديم الدعم اللوجستي و الاستخباراتي للحلف.

-      أن عضوية ومشاركة السودان في هذا الحلف هي الأخرى تعكس شكلاً من توجه جديد فى سياسته الخارجية تجاه المنطقه، وذات تأثر بعلاقاته تجاه ايران، حيث لم تقتصر على تسجيل موقف فقط وإنما المشاركة عسكرياً فى مواجهة الطرف الايراني فى اليمن، ورسمياً يعتبر السودان فى حل من تفاهماته السابقه مع ايران

التحالف الدولي ضد الإرهاب: 

شكلت التوجهات السياسية لنظام الانقاذ تهديداً استراتيجياً لبعض أعضاء المجتمع الدولى الاقليمي ، الامر الذى جعل بعض الدول وصفه بالدولة الارهابية ،ووضعها للسودان فى مواجهة وحالة من التهديد المستمر لمصالحه ..، إستطاع السودان إجراء تعديلات جوهرية على توجه الخارجي حيث أعاده صياغة مكونات خطابه الخارجي التهديدي، وأهدافه ومحددات سياسته الخارجية وتجريدها من الابعاد الدينية والايديولوجية  ، وإستغلاله للفرص التى أنتجتها التفاعلات الدولية والاقليمية ، الامر الذى اتاحه له لعب دورا اقليميا محدودا فى بعض القضايا الدولية والاقليمية الراهنه كالحرب على الارهاب والهجرة غير الشرعية ..

  شكل الإرهاب تهديداً جدياً للمنظومه الدولية، الأمر الذي أدى الى تضافرها وتعاونها لمواجهة تحدياته ومخاطره، ومثلت توجهات السياسة الخارجية انسجاماً واضحا مع متطلبات التحالف الدولى ضد داعش ، وسعت بكل وسائلها السياسية والدبلوماسية للحد من مشاركة السودانيين فى تنظيم الدولة الاسلامية ..، بل سعت في توجهات سياستها الخارجية الى تحجيم دعمها ومساندتها للأطراف الإسلامية التي أفرزتها  ثورات الربيع العربي، والتى توصف بالجماعات الإرهابية ، ويُعد هذا أكبر مؤشرعلى إنسجام السياسة السودانية واستجابتها للمتغيرات الاقليمية والدولية.

التوجه الأفريقي:

    لعبت مشكلة جنوب السودان ،الى جانب توجهات بعض الانظمة السياسية التى تتسم بالعروبية وبالاسلام دوراً كبيراً فى عزل السودان عن وسطه الحيوي والجيوبولتيكي فى القارة الافريقية ، بالإضافه لما قامت به وسائل الاعلام الدولى من تشويه لصورة السودان فى الأوساط الافريقية، على الرغم من الأدوار التى قامت بها الحكومات السودانية المتعاقبة من دعم لحركات التحرر الوطني الافريقي ..، ولقد أدت تلك الموضوعات الى تعزيز ودعم خيار الأنفصال لاحقاً ،من قبل بعض الاطراف الافريقية ، الأمر الذى حتم أهمية إتخاذ توجهات سياسية جديدة تُمكن الدولة السودانية من تحقيق أهدافها ومصالحها، وذات مؤشرات تُعيد من أهمية الدولة السودانية بعد الانفصال ، مستفيدة من مجموعة قضايا التى تشهدها القارة الأفريقيه كازدياد حالات التضامن الافريقي تجاه سياسات المحكمة الجنائية الدولية التى إستهدفت القاده الافارقة دون سواهم من العالمين، الأمر الذى حدي بالمنظمات وبعض الدول الأفريقية تأييد توجهات الحكومة السودانية الداعيه الى الانسحاب الجماعي منها ..، وذلك نتيجة للتداعيات التى كشفتها التحقيقات عن عدم صدقية الادعاءات التى نسبت الى الرئيس السوداني عمر حسن البشير ..، وقد ظل السودان يُناشد المجتمع الدولى بعدالة قضيته وتمسكه بمبادئ قانون الدولي التى تنظم مثل تلك الحاله ..، تميزت توجهات السياسة السودانية فى معالجتها لتلك الحالة بالثبات والاستمرارية لاستنادها على مرجعيات سليمة وموضوعية، كما أنها لامست حقوق القاده الافارقه التى تتوافقت مع مصالحهم ، وهنا نلاحظ ان توجهات السياسة الخارجية السودانية إزاء القضايا والموضوعات والمواقف الدولية تتسم بالنجاح والتوفيق، الامر الذى يستدعي متابعتها ومراجعتها وبحث طرق الاستفاده منها وتوظيفها لخدمة التوجهات السياسية للدولة السودانية فى البيئة الخارجية

أثر زيارة  روسيا في مستقبل العلاقات السودانية الأمريكية

منذ وصول الرئيس البشير للحكم في السودان لم تتسنَّ له زيارة دولة روسيا، لذا حملت الزيارة الأخيرة عدة تفسيرات أبرزها خلق صداقة دائمة مع دولة تعتبر من أبرز الأقطاب في المجتمع الدولي عطفاً على ذلك يرى البعض أن الاستثمارات الروسية في السودان هي التي شجعت على وجود زيارات متبادلة بين الدولتين، ويتضح ذلك من : أن روسيا لديها استثمارات قديمة وضخمة في السودان خاصة في مجال التسليح العسكري والتعدين بالتالي من الطبيعي أن تسعى الخرطوم للمزيد من التطبيع وكسب استثمارات وعلاقات جديدة مع موسكو(1).

وحول إمكانية تأثُّر العلاقات السودانية الأمريكية بالتقارب مع روسيا، نذكر أن: العلاقات مع واشنطون تسير بصورة مطردة، ولكنها لم تبلغ المدى المقصود، من حق السودان بناء علاقات جيدة مع كل دول العالم.

في السياق يقول السفير الطريفي أحمد كرمنو إن العلاقات السودانية الروسية لم تكن إيجابية منذ عهد الرئيس الراحل جعفر نميري وأزدادت سوءاً بعد الإعدامات التي نفذها النميري في حق زعامات الحزب الشيوعي أمثال عبد الخالق محجوب والشفيع أحمد الشيخ، ولكن ربما تحسنت العلاقات في عهد الإنقاذ، وبدأت تسير بصورة طيبة، قائلاً إن أمريكا لا ترفض مثل هذه العلاقات، ولن تتدخل فيها، وعلى السودان أن يغير من سياسته الداخلية التي تنعكس على سياساته الخارجية.(1)

فصل الجنوب

الرئيس البشير قال بصورة واضحة إن أمريكا قامت بتقسيم السودان وفصلت الجنوب وتريد مزيداً من الانقسامات في السودان، مع طلب للرئيس بوتين للوقوف ضد التقسيمات التي تريدها أمريكا مستقبلاً للسودان. واتهام البشير لأمريكا بتقسيم السودان يقول عنه بعض المحللين أن: أمريكا نفسها لم تنكر مساهمتها في فصل الجنوب، وكانت تعتقد أن الانفصال هو الأفضل لشعب الجنوب، ولكن اتضحت لهم عدم صحة رؤيتهم.. ويتفق السفير الطريفي كرمنو مع  ذلك ويقول: أمريكا فصلت الجنوب، وبعده فقد السودان جزءاً كبيراً من ثرواته مثل النفط الذي اتجه جنوبا بعد الانفصال، وهي تسعى في الوقت الحالي لفصل عدد من مناطق السودان في إطار سياسة تقسيم الشرق الأوسط الكبير.

تشكيل حماية

وضع طلب الرئيس البشير من روسيا تشكيل حماية للسودان ضد العدوان الأمريكي، وضع أكثر من علامة استفهام، ولكن طلب الحماية يبدو مقبولاً لدى السفير الطريفي كرمنو حيث قال: روسيا تملك الجرأة للوقوف أمام أمريكا عسكرياً رغم أن واشنطون تعتبر القوة العسكرية الأكبر في العالم، وأضاف: ولكن ربما تحدث تقاطعات في المصالح بين البلدين، وقال كرمنو إن أمريكا تستهدف السودان بشكل ممنهج وتسعى لتقسيمه لدويلات، وهي سياسة أمريكية وُضِعت منذ الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب، والعمل على تقسيم الشرق الأوسط من خلال تقسيم مصر لدولتين وإنشاء دولة للأقباط في جنوب مصر، وإنشاء دولة في الجزائر وأكثر من دولة في السودان(1).

كل هذه المواقف توضح أن السودان قد انتهجت نهجاً جديداً في سياساتها الخارجية، على المنحى الآخر تجلس الولايات المتحدة الأمريكية تراقب المشهد السوداني، والسودان يتجه نحو منافس أمريكا الأول في تسيّد العالم الدب الروسي الذي تتقاطع المصالح بينه وبين الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك ما يشي أيضاً بتحوّل جديد وغير متوقّع في الداخل السوداني جعل السودان يلجأ إلى روسيا، في موسم الود الأمريكي بعد رفع العقوبات، وهذا أيضاً ما يفتح أبواب الأسئلة على مصراعيها عن موضع السودان الجديد، ولم تخل زيارة الرئيس ولقاؤه بالرئيس الروسي فلادمير بوتن والاتفاقات التي تم توقيعها من جديد، إذ حملت الزيارة عدداً من المستجدات، أبرزها تصريح الرئيس بتوافق المواقف بين السودان وروسيا خاصة في الأزمة السورية وطرق حلها، وهذا ما يتضارب مع بعض مواقف دول المنطقة خاصة السعودية والإمارات، والأمر الآخر ذو البعد الدولي وذلك بالحديث عن بناء قاعد عسكرية روسية في السودان، وبالقطع أن ذلك التوجه يعد توجهاً ضد رغبة الولايات المتحدة الأمريكية.

إن استمرار  السودان في التقارب من المحور الروسي الإيراني من الممكن أن تٌعجل بالتحالفات الجديدة .

ويُخشى أن تقدم الولايات المتحدة التي التزمت الصمت حتى الآن، إلى اتخاذ قرار بإعادة السودان إلى المربع الأول (مربع العقوبات والقرارات الدولية) طالما أن السودان يتهمها بالتدخل وتخريب دول المنطقة بما فيها سوريا وليبيا والعراق وغيرهم.

وروسيا دولة قوية ومؤثرة بلا شك، لكن ينبغي التعامل بحذر في ملف العلاقات الخارجية وأن تكون هناك نظرة إستراتيجية في هذا الصدد، وعليه نتمنى أن يكون قرار الاتجاه نحو معسكر الشرق الأدنى مدروسًا وبدقة من وزارة الخارجية والقطاع الاقتصادي إلى جانب الأجهزة الأمنية، وألا يكون قرارًا متسرعًا ونتيجةً لردة فعل.

خاتمة

مما سبق يتضح أن الفرصة سانحة لروسيا لتضع موطئ قدم في السودان وإفريقيا، فالسودان بموقعه الجيوبوليتكي الذي يطل مع غرب إفريقيا ومنطقة البحيرات والقرن الإفريقي، إضافة إلى مشاطئته للبحر الأحمر بساحل يزيد عن السبعمائة كيلومتر، ونجاح روسيا الاقتصادي في المنطقة ممكن ومتاح بأكثر من أي وقت مضى، فالعقوبات الأمريكية المفروضة على السودان تفتح الطريق أمام روسيا للعب دور اقتصادي ليس في السودان فحسب بل في كل الجوار السوداني، ربط تلك المناطق بالخطوط الحديدية يسهل من عمليات نقل منتجات تلك البلدان والنقل يمثل عقبة كبرى في وجه تلك الدول!

حاولت الصين مليء الفراغ الذي تركه الغرب في السودان ولكنها فشلت، فالصين تعاملت مع السودان بمبدأ الفائدة الحاضرة ولم تنظر إلى مستقبل العلاقات بل ولم تربط فائدتها بالأحوال الأمنية في السودان وما حوله، ونتيجة السياسة الصينية القصيرة النظر كان أن انفصل الجنوب وتعطلت بشكل ما مصالح الصين في السودان. بجانب الدور الاقتصادي كان على الصين أن تلعب دوراً سياسياً إن لم يكن لمصلحة السودان فإن مصلحتها الاقتصادية تقتضي أن تلعب دوراً في الاستقرار السياسي يلعب دوراً أساسياً في الاستقرار الاقتصادي!

ثم إن الصين توازن مصالحها في السودان مع مصالحها في أمريكا، وهذا يرجح لعب الدور الصيني في السودان بأن يكون متوائماً مع الدور الأمريكي، ورغم أن السودان يعتمد على الصين اقتصادياً، إلا أن زيارة الرئيس الصيني الجديد لم تشمل السودان، واقتصرت على تنزانيا والكنغو وجنوب إفريقيا، وهذا يدل على أن الصين قد أخرجت السودان من دائرة اهتمامها الاقتصادية والذي لم يكن أصلاً في دائرة اهتمامها السياسي، وإلا لما وافقت على فصل جنوب السودان حتى تحافظ على مصالحها الاقتصادية!

ومما يمهد الطريق أمام التعاون الاقتصادي وتبادل المنافع بين روسيا والسودان هو أن روسيا لا تحمل مطامع تجاه السودان أو غيره من الدول بعكس السياسة الصينية التي لا تعبأ بالمخاطر البيئية وغيرها كما أنها تفتح المجال أمام الفساد المالي والإداري، وتستغل حاجة الدولة إليها!

موقع السودان الجيوبوليتكي يؤهله لأن يكون همزة وصل مع غرب إفريقيا ومنطقة البحيرات والقرن الإفريقي والبحر الأحمر الذي يعتبر اليوم من أهم بحار العالم الإستراتيجية، وبالنظر إلى تلك المواقع الحساسة نجد أن السودان هو الدولة الوحيدة التي يمكن أن تربط هذه المناطق اقتصادياً والرابط الاقتصادي هو تمثله السكك الحديدية التي يمكن مدها إلى تلك المنطق في السودان، حيث توجد فيه بنية أساسية لا يستهان بها من الخطوط الحديدية والتي يبلغ عمره مائة وخمسة عشرة سنة!

روسيا الأقرب إلى السودان سياسياً واقتصادياً وحتى عقائديًا، فالمسلمون في روسيا الفيدرالية يمثلون نسبة لا يستهان بها من السكان، وروسيا عضو مراقب في منظمة المؤتمر الإسلامي، وتعاون روسيا مع السودان يفتح المجال واسعًا لتحقيق المشروعات التي ينوي المؤتمر الإسلامي تنفيذها في الدول الإسلامية الإفريقية وخاصة خط داكار بورتسودان الحديدي والذي تبدو روسيا مؤهلة لاقامته وتشييده أكثر من غيرها للأسباب التي ذكرتها سالفاً!

في مجال الطاقة والتعدين يبدو التأهيل الروسي عاليًا فروسيا اليوم أكبر منتج في العالم للبترول والغاز والذهب والألمونيوم وغيرها من المعادن، لذا فإن الفائدة عظيمة في التعاون الروسي السوداني في هذه المجالات، كما أن هذا التعاون يجعل روسيا في موقف سياسي قوي للوقوف إلى جانب السودان في المحافل الدولية، والتعاون الاقتصادي بين روسيا والسودان سيكون مانعاً حقيقياً لانشطارات أخرى مخطط لها أن تجري داخل السودان!

علاقات السودان بروسيا ظلت إستراتيجية منذ مدة طويلة والكل يعلم ان السودان ظل يمد جسوره مع روسيا في شئون عديدة تخص المنطقة و النطاق الدولي مثل المحكمة الجنائية الدولية و قضية اقليم دارفور و قضية الحرب في سوريا وكيفية معالجتها و يوجد تطابق معقول في المواقف ووجهات النظر بين السودان و روسيا في قضايا دولية إقليمية كثيرة جداً، لهذا فان البعد الاستراتيجي في هذه العلاقات لا يمكن ان تخطئه عين.

 



(1) العلاقات السودانية الروسية ، موقع وزارة الخارجية .

(1) البشير العلاقات السودانية الروسية في افضل حالاتها : WWW.MOBTADA.COM/DETAILS.PHP?=128906

(1) بروتوكول الاجتماع الأول للجنة السودانية الروسية الحكومية المشتركة للتعاون الاقتصادي والتجاري، الخرطوم ديسمبر 2013م.

(1) هاشم حسين بابكر ، العلاقات السودانية الروسية ، صحيفة الانتباهة ، 5 ديسمبر 2016م.

(1) رباب علي ، ترجمة هاشم حسين القائم بالأعمال الروسي للانتباهة ، المستثمرون الروس أبتعدوا عن السودان بسبب الإعلام الغربي، WWW.ALJAZEERA.NET

(2) الإسلام اليوم وكالات 3 ديسمبر 2017م:WWW.ISLAM TODAY.NET/ALBASHEER/ARTSHOW 

[1]مستقبل علاقة الحوثيين بالمملكة العربية السعودية .. بعد التفاهمات الأخيرة، 20 يونيو 2016 ، بتاريخ 13-10-2016

(1) فضل الله رابح، مرجع سابق

(1) السيد أمين شلبي، تجديد العلاقات السودانية الروسية .. الدوافع والآثار ، السياسة الدولية ، العدد 204، المجلد 67، ديسمبر 2017م، ص153

(1) هاشم حسين ، مرجع سابق

RECENT EVENTS

Prev Next

Featured Publications

Facebook

CONTACT US

Address: St. #3, Amarat, Khartoum, Sudan

E-mail:info@grcsudan.org

Telephone: +249-183-269739

Fax: +249-183-269728

http://www.grcsudan.org