Login

Register

User Registration
or Cancel

The best bookmaker bet365

Best bookmaker bet365 register

Headlines

العلاقات الصينية ــ الأفريقية

دكتور عادل حسن محمدأحمد

 

أستاذ وباحث بالأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية والأمنية .

 

دكتور عادل حسن محمدأحمد

 

أستاذ وباحث بالأكاديمية العليا للدراسات الاستراتيجية والأمنية .

 

مقدمــــة

 

مقدمـــــة :

1-    عند الحديث عن العلاقات الصينينة – الأفريقية لا بد من ذكر الملاحظات التالية :

أ‌-       تتألف القارة الأفريقية من 55 دولة ، وتقيم الصين علاقات دبلوماسية مع 49 دولة أفريقية . والمعروف أن القارة الأفريقية غنية بالموارد والأسواق الكبيرة بجانب توسطها العالم واطلالها على الممرات التجارية الدولية ، الأمر الذي يعطيها ميزة جيوبولتيكية ويجعلها واقعة في دائرة الصراع الدولي .

 

ب‌-  المعروف أن أفريقيا خضعت للاستعمار الأوربي ، كما أنها شهدت حالة من الصراع الدولي ابان فترة الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي بقيادة كل من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية ، وبعد انهيار المعسكر الشرقي وجهت الدول الغربية اهتمامها نحو دول شرق اوربا بدلا من التركيز على افريقيا .

ت‌-  عند التعامل مع افريقيا يجب أن نضع في الاعتبار أن دول افريقيا غير متساوية من حيث القدرة على التأثير سياسيا واقتصاديا واستراتيجيا ، لذلك محاولة تأسيس العلاقات الثنائية في اطار دول القارة كل على حدا يتم فيها وضع الأولويات وفقا لقوة كل دولة والمزايا التي تتمتع  بها وفقا للمصالح الوطنية لطرف العلاقة الآخر . وقبل عام 2000 كانت العلاقات الصينية- الأفريقية قد اتسمت بالثنائية . ثم اعلن عن قيام منبر التعاون الصيني – الأفريقي بعد ذلك لتأسس العلاقة بشكل جماعي مقابل الصين .

ث‌- وعند الحديث عن اكثر الدول الأفريقية ذات التأثير والنفوذ في القارة يتم عادة ذكر الخمس الكبار في القارة (نيجيريا ، جنوب أفريقيا ، مصر ، الجزائر ، أثيوبيا) .. وقد أجرى مركز الدراسات الأمنية الأفريقية دراسة استشرافية لخمسة وعشرين سنة قادمة (2040)  مستخدم فيها مؤشر HHMI لقياس قدرة الدولة ، والذي يتضمن متغير (الاقتصاد ، السكان ، القدرة العسكرية ، الدبلوماسية ، والتكنولوجيا) ، وخرجت الدراسة  بالمؤشرات التالية :  

 

(1)            في عام 2014 بلغت القدرة الشاملة لنيجيريا 9.% من القدرة العالمية ، وبعام 2040 ستصبح 1.6% من القدرة العالمية ، بينما ستحافظ باقي الدول الأربعة على معدل 7.% من القدرة العالمية أو تقل عن ذلك بقليل حتى عام 2040 .

(2)            في العام 2014 بلغ حجم الناتج الاقتصادي لأكبر قوى اقتصادية أفريقية كالآتي :

(أ‌)                نيجيريا 536 مليار دولار .

(ب‌)          جنوب أفريقيا 454 مليار دولار .

(ت‌)          مصر 263 مليار دولار .

(ث‌)          الجزائر 233 مليار دولار .

(ج‌)           انغولا 126 مليار دولار .

(ح‌)           المغرب 116 مليار دولار .

(خ‌)           أثيوبيا 43 مليار دولار .

ج‌-    دائما ما يتم مقارنة جدوى الشراكة بين أفريقيا والدول الغربية (ياوندي ، لومي ، والنيباد) من جهة والشراكة الأفريقية – الصينية (منبر التعاون الصيني – الأفريقي) من جهة أخرى .. ولكن السؤال الذي ينبغي أن يطرح ماذا عن جهود التنمية الأفريقية المستقلة ، وهنا يشار الى مشروع لاغوس للتنمية في أفريقيا والذي حدد له مدى زمني (1980 – 2000) ، ولكن تدخلات المبادرات الغربية وصندوق النقد والبنك الدولي عادة ما تفشل مثل هذه الجهود .

العلاقات التاريخية بين الصين وأفريقيا

 

العلاقات التاريخية بين الصين وأفريقيا : 

        ان علاقات التواصل السياسي ، الاقتصادي ، العسكري ، والاجتماعي والثقافي بين الصين ودول القارة الأفريقية قد مرت عبر حقب تاريخية مختلفة . ورغم أن هناك القليل الذي تم ذكره عن وجود علاقات تاريخية قديمة بين الصين وأفريقيا ، لكن من الواضح أن هناك مشتركات حضارية أثبتتها بعض الحفريات والتي عكست تشابه كبير بين بعض الآثار الصينية وما تم اكتشافه من آثار ترجع الى الحضارة المروية القديمة بالسودان . يضاف الى ذلك ما أكدته بعض الدراسات عن وجود علاقات تجارية راسخة بين الصين وشمال وشرق أفريقيا عبر طريق الحرير التجاري .الاهتمام الأفريقي بالصين تم التأشير اليه من خلال زيارة الرحال والعالم المغربي (ابن بطوطة) الى الصين في القرن الرابع عشر ، وكذلك زيارة العالم الصومالي (سعيد المقديشوي) الى الصين . وبالقابل زيارة الرحال الصيني )وانغ دايوان( الذي وصل الى جزيرة زنجبار بشرق أفريقيا ، وايضا وصول عائلة الامبراطور الصيني (مينغ) بمعية الادميرال (زنغ هو) الى موزمبيق عبر السواحل الصومالية في القرن الخامس عشر  ، ويعكس ذلك الاهتمام الصيني بأفريقيا . كما يلاحظ تواجد جاليات صينية ربما جاءت ابان الاستعمار الأوربي وعملت مع بعض الشركات الأجنبية في مجال التعدين ، خاصة في منطقة الجنوب الأفريقي . الا أن العلاقات السياسية والاقتصادية الحديثة  بين الجانبين يؤرخ لها بعد تولي ماو زو دونغ رئاسة الصين عام 1949 بعد الحروب الأهلية التي شهدتها الصين . ثم أخذت العلاقات بين الجانبين تتطوربشكل مطرد متخذة أبعادا متعددة . وقد أشارت كثير من الدراسات الى علاقات الدعم الدبلوماسي والمادي والمعنوي الصيني لحركات التحررالأفريقية حتى تحقق لها هدف الاستقلال من الاستعمار الأوربي.يترافق ذلك مع علاقات الدعم الاقتصادي الصيني الذي كانت تحظى به الأنظمة الاشتراكية الافريقية في فترة الحرب الباردة (1) .   

العلاقات الصينية الأفريقية المعاصرة

 

العلاقات الصينية الأفريقية المعاصرة :

أشار الدكتور لي آن شان من خلال تحليل الدراسات الصينية عن العلاقات الصينية - الأفريقية الى وجود أربع مراحل لعلاقة الصين بأفريقيا في القرن العشرين :

1-   اكتشاف افريقيا (1900 -  1949) .

2-    دعم أفريقيا (1949 – 1965) .

3-    محاولة فهم أفريقيا (1966 -  1976) .

4-    دراسة أفريقيا (1977 -  2000) . (2)

ومنذ عام 2000 (أي بقيام منبر التعاون الصيني ـ  الأفريقي "FOCAC   Forum on China – Africa cooperation   حدث ارتباط وثيق بين الصين وأفريقيا ، والذي تجتهد فيه الصين أن تكون ملتزمة بالمبادئ التي تحكم علاقاتها الخارجية ، والمتمثلة في الآتي :

1-   التعايش السلمي .

2-   عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول .

3-   احترام السيادة الاقليمية .

4-   المساواة بين كافة الدول .

5-   المنفعة المتبادلة .

كانت الدبلوماسية الصينية في احد ثوابتها تقوم على اعتبار صين واحدة ، وأن تايوان جزء من السيادة الصينية .. كما تؤكد دائما أن الصين جزء من مجموعة دول العالم الثالث منذ قيام مؤتمر باندونغ في عام 1955 والاعلان عن حركة عدم الانحياز(3) ، وهو التاريخ الذي يعتبر بداية حقيقية لـتأطير علاقة الطرفين . حيث تم التبادل الدبلوماسي مع مصر في عام 1956 . وقتها كانت الصين قد وقفت مع مصر في قضية تأميم قناة السويس . وبدأ تأسيس العلاقات الثقافية بارسال عدد من الطلاب المصريين للدراسة بالصين ، وبالمقابل حضر عدد من الطلاب الصينيين لدراسة اللغة العربية بالأزهر الشريف ، وبدأ يكتبون عن العلاقات العربية والاسلامية بالصين . كما كانت الصين قد رفضت مبادرة تقدمت بها فرنسا على أساس أن تتخلى الصين عن دعمها لثوار حركة التحرير الوطني الجزائرية وبالمقابل تقوم فرنسا بالاعتراف بالصين وتقيم العلاقات الدبلوماسية معها (4) ، وبطبيعة الحال رفضت الصين ذلك العرض وكانت من أوائل الدول التي اعترفت بالحكومة المؤقتة في الجزائر عام 1958 وبالمقابل كانت الجزائر ثاني دولة أفريقية تعترف بالصين بعد مصر وقبل السودان . وهو ما ساعد على وجود علاقات خاصة بينها والصين اضافة الى علاقاتها مع غينيا خلال فترة خمسينات القرن الماضي . ولكن الملاحظ أن العلاقات بين الصين وأفريقيا لم تنشط بعد وفاة ماو زو دونغ ، ويعود ذلك للتغيرات الهيكلية التى شهدتها الصين منذ عام 1978 . والحقيقة ، أن ماو زو دونغ حاول أن يطرح مشروعه الثقافي - الأيديولوجي القائم على أساس الماركسية ، ولكنه أدرك أن هناك ثقافة عالمية تسعى لتطويق البيئة الثقافية التي أسسها خلال الثورة ، وأغلق خلالها الجامعات لمدة عقد كامل ، واستدعى كل سفرائه من الخارج لتنويرهم بالتوجهات الثقافية الجديدة التي يجب أن يلتزموا بها عند عودتهم الى سفاراتهم (*) . غير أن ماو أدرك فيما بعد الهوة الكبيرة بين احلام الفيلسوف وتعقيدات الواقع الدولي . فبدأ بارسال الطلاب الى الخارج ليتعلموا اللغات الأجنبية نظرا لأن اللغة الصينية كانت  تشكل عقبة امام سياسة الانفتاح وحركة التحديث (5) .

الفترة من 1966الى 1976 شهدت خلالها الصين الاهتمام بتصدير الثورة الى الخارج والتبشير بالمشروع الثقافي الصيني ، وكان نتيجة ذلك تراجع في  معدلات النمو الاقتصادي ، ومثل ذلك تحدي للقيادة الجديدة التي اتيح لها الاطــــلاع عـــلى التجـــارب العالمية المرتبطة بقضـــايا التحـــديث ، فتبــنت ســياسـة جـديدة تقــوم عـــلى الانــفتاح والاصــلاح الاقتصــــادي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(*)الماركسية طرحت كبديل ثقافي متكامل للموروث الثقافي الصيني (الكونفوشوسية) ، وقدم ماو اجتهادات نظرية شكلت نقد وهجوم ضد الموروث الثقافي الصيني . 

Economic Reforms and Open Up  ، والاعلان عن برنامج التحديثات الأربعة المتعلق (بالزراعة والصناعة والتقانة والدفاع) .

        ان المعضلة الاقتصادية ، ومنذ عام 1949 ، قد شكلت هاجسا مقلقا في تفكير القيادات الصينية ، والتي تعود الى تضافر عدة عوامل داخلية (كمحدودية القدرات والموارد الاقتصادية وتراجع مخرجات الخطط التنموية) ، وعوامل أخرى خارجية (كالموقفان الأمريكي والسوفيتي اللذان يصران على أن تبقى الصين ضعيفة داخليا وغير مؤثرة خارجيا) . ورغم أن قوة الصين بعد الحرب العالمية الثانية لم تستطع أن تتعادل مع قوة أي من القطبين العظيمين ، بما يسمح لها بالتأثير الفعال في النظام الدولي ، غير أن المخاض الصيني كان يبشر بولادة وافد جديد ، تلك الولادة التي تأخرت بعض الوقت ، ولكن ملامحها قد اتضحت بحدثين مهمين ، هما :

1-   الانشقاق الصيني عن الاتحاد السوفيتي .

2-    تفجير الصين قنبلتها النووية عام 1964 .

الانشاق الصيني عن الاتحاد السوفيتي والعائد لأسباب أيديولولوجية بحتة ، أعطى السياسة الصينية دورها المتميز من معارضة السياستين الأمريكية والسوفيتية على السواء ، أما تفجير القنبلة النووية الصينية ، فقد وفر الرادع الضروري للسياسة  المستقلة كما حصن الصين من اجهاض الكبار لمشروعها الوطني (6).  وشكلت هذه العوامل كوابح حقيقية حالت دون أن تطلع الصين بأي دور عالمي يهيئ لها مكانة متميزة في هيكلية النظام الدولي . ولكي تعزز الصين من شرعيتها وتأثيرها في الساحة الدولية وتحقيق استراتيجيتها المتمثلة في وحدة وصيانة التراب الوطني ، على اعتبار أن تايوان جزء من الصين ، سعت الصين الى حصول دعم الدول الأفريقية في تحقيق هدف اجهاض محاولات تايوان الاستقلالية ، والاقرار بصين واحدة . وتحقق لها ذلك في عام 1971 بعودة مقعد الأمم المتحدة لها ، وحصولها على العضوية الدائمة في مجلس الأمن الدولي والذي كانت تشغله تايوان . وذكر حينها الرئيس ماو (أن الصين عادت الى الأمم المتحدة على أكتاف الأصدقاء الأفارقة) .

        ان محاولة الصين أن تصبح قوة اقتصادية كبيرة على الساحة الدولية تعود الى عام 1978 ، بعد أن تم التخلي عن ايديولوجية الثورة الثقافية التي أعلنها الزعيم الصيني ماو ، وتبني سياسة الاصلاح الاقتصادي والانفتاح التي طرحها الزعيم أوبنغ هيساو دونغ ، الذي أعطى الأولوية للنمو الاقتصادي وعده متقدما على الاعتبارات الأيديولوجية ، حيث كان يرى من الضروري الانفتاح على اسواق العالم وتطوراته وأساليبه التقنية بهدف تحديث الاقتصاد والصناعات الصينية والارتقاء به الى مكانة متقدمة (7) . يضاف الى ذلك قدرة الاقتصاد الصيني على استيعاب حجم التمويل الضخم الذي مصدره المؤسسات الدولية وفي مقدمتها ( صندوق النقد والبنك الدولي) .

رغم محاولات الصين في المراحل الأولى تقديم الدعم والمساندة للقضايا الأفريقية والتصويت لصالحها في المحافل الدولية ، الا انه كان محدودا في اطار الأمم المتحدة .. وبعد عام 1978 اتسمت السياسة الصينية تجاه الأمم المتحدة بالسمات التالية :

1-    عدم الاعتراض الجاد على السياسات الغربية داخل مجلس الأمن الدولي ، وان كان قد أخذ شكل الامتناع عن التصويت في بعض الأحيان .

2-    ان مساهمة الصين في نشاطات الأمم المتحدة كانت محدودة ، ويعود ذلك لأسباب اقتصادية من ناحية ، فحاجة الصين للتمويل من المؤسسات الدولية يحتاج الى توافق مع القوى الدولية المؤثرة (الغربية) . وكذلك عدم توفر تقاليد وتجارب دبلوماسية عريقة للصين في التعاطي مع القضايا الدولية المختلفة ، من ناحية أخرى ، فقد بقيت الصين خارج الأمم المتحدة قرابة ربع قرن (8) .

 

العلاقات الصينية الأفريقية بعد نهاية الحرب الباردة

 

العلاقات الصينية الأفريقية بعد نهاية الحرب الباردة :

في منتصف التسعينات ونهاية عقد التسعينات من القرن العشرين بدأت العلاقات الصينية الأفريقية تنشط ، خاصة في الجوانب الاقتصادية والتجارية ، وذلك لتطور المشروع الاقتصادي الصيني الذي دعمته عودة كل من هونغ كونغ في عام 1997 وماكاو في عام 1999 للسيادة الصينية ، والذي وفر احتياطات مالية ضخمة ساعدها على توسيع استثماراتها الخارجية ، من جهة ، وأيضا للفراغ الذي تركته الدول الغربية التي وجهت اهتمامها ودعمها التنموي ـ الذي كان تستفيد منه الدول الأفريقية ـ لدول شرق أوربا ، من أجل دمج الأخيرة  واستيعابها في النظام الغربي بتوجهاته الرأسمالية الليبرالية ، من جهة أخرى ، وبالتالي لم تعد الدول الأفريقية قادرة على منافسة دول أوربا الشرقية في جذب الاستثمارات الغربية نسبة للفجوة الكبرى بين الاقليمين في البنيات التحتية الجاذبة للاستثمار الخاص الى جانب توفر مناخ الاستقرار السياسي والفجوة الواسعة بينهما في توطين التكنولوجيا والعمالة الفنية والماهرة (9). لقد عمقت هذه التحولات حالة عزلة وتهميش أفريقيا اقتصاديا وسياسيا ، بعد أن اضيفت العزلة الجغرافية والسياسية الى العزلة الاقتصادية وفجوة التكنولوجيا ، التي تميزت بها علاقات أفريقيا الدولية في أعقاب أزمة الديون ، وتدهور شروط تبادل التجارة الدولية . وتجدر الاشارة هنا الى أن هذه التحولات حدثت في ذات الوقت الذي التزمت فيه عدد من الدول الأفريقية بتنفيذ برامج اقتصادية قاسية فرضتها عليها الدول الغربية في اطار التعاون الاقتصادي وتقديم المساعدات المالية . وبتراجع مسار التعاون الاقتصادي وضمور المساعدات الاقتصادية المقدمة من الدول الغربية ، لم تعد برامج الاصلاح قادرة على تحقيق أهدافها مما عرض الحكومات الأفريقية الى حرج سياسي مع الدول والمؤسسات المالية المانحة (10). فالاهتمام الاقتصادي الصيني بافريقيا مرده لتمتع القارة السمراء بتوفر الموارد وسعت الأسواق لاستيعاب قدر كبير من المنتجات الصينية (11) . 

في منتصف التسعينات أعلنت الصين عن نفسها كقوة اقتصادية دولية صاعدة ، مما انعكس ايجابا على علاقاتها الاقتصادية مع أفريقيا . والآن يقدرعدد العاملين الصينيين بالشركات الصينية في  أفريقيا بصفة دائمة حوالي 1500000 شخص ، مقابل 235000 أفريقي يعملون بالصين (12) . كما زاد حجم التبادل التجاري بين الطرفين خلال فترة التسعينات 700% ، وبالتالي أصبحت الصين تمثل الشريك الاقتصادي الأول لأفريقيا (13) . وخلال خمسة أعوام ، وبداية من 1997 ، زار الصين حوالي 40 رئيس دولة أفريقية (14) – من غير المشاركات الجماعية في المؤتمرات التي تنظم في الصين -  ، وخلال الفترة 2004 – 2005 استضافت بكين 15 رئيس دولة أفريقية و3 بدرجة نائب رئيس و6 رؤساء وزراء . وخلال عام 2013 زار أفريقيا 1895000 صيني مقابل 553000 أفريقي زار الصين . وفي 2007 زار الرئيس الصيني هو جينتاو عدد من الدول الافريقية لمدة 12 يوم ، وقدم خلالها قروض بمئات الملايين من الدولارات وتم فيها الغاء ديون الكميرون وليبيريا والسودان وزامبيا وموزمبيق . ووعد بمنح وقروض ميسرة للكاميرون بلغت جملتها 100 مليون دولار ، وللسودان بلغت جملتها 117 مليون دولار ، وناميبيا 139 مليون دولار ، وجزر سيشل 35 مليون دولار . كما قام أثناء زيارته بتدشين شراكة تعدين ضخمة في مجال النحاس بزامبيا ، كما تعهد بصياغة أسس جديدة لشراكة استراتيجية مع جنوب أفريقيا . الزيارة عكست اسلوب الصين في استخدام الاتصال الشخصي رفيع المستوى في الوصول الى أي بلد لديها معها علاقات دبلوماسية في القارة الأفريقية . أيضا يحافظ الحزب الشيوعي الصيني على على التواصل مع معظم الأحزاب الأفريقية الحاكمة بغض النظرعن توجهاتها الايديولوجية ، ويعكس ذلك التوجهات البرغماتية للصين . كما تبتدع الصين آليات مختلفة للتعاون السياسي في القضايا الاقليمية والدولية ، مثل آليات التشاور السياسي على مستوى وزارات الخارجية ، والحوار الاسترتيجي والرفيع المستوى وتعيين المبعوثيين الخاصيين الى افريقيا .

 ان توقيع الصين عدد من اتفاقيات القروض التفضيلية والاستثمارات والمساعدات في مجالات مختلفة في أفريقيا ، اضافة الى العقوبات الاقتصادية والحظر الذي تفرضه  الدول الغربية على بعض دول القارة الأفريقية ، كل ذلك جعل القيادات الأفريقية تصوب اهتماماتها نحو الصين بدلا عن دول أوربا والغرب عموما ، وهي بذلك تؤكد على ضرورة تعاون الجنوب - الجنوب . فالدول الغربية تشترط تقديم مساعداتها التنموية بالالتزام بمعايير الديمقراطية والحكم الرشيد والشفافية والقضاء على الفساد والمحسوبية وغيرها (15) ، كما انها تعتبر معظم الدول الافريقية دول فاشلة لانعدام الأمن والاستقرار السياسي وفشل التنمية ، فأي جهود للاستثمار بأفريقيا هي مضيعة للمال والجهد والوقت .

الصين تستثمر في مجالات النفط في نيجيريا وانغولا وليبيا والجزائروالسودان وتشاد . وفي مجال الغابات في غينيا الاستوائية ، والتعدين في زامبيا وموزمبيق ، والانشاءات في بتسوانا ، والتصنيع في أثيوبيا ، والاتصالات ومجال البنيات التحتية في معظم الدول الأفريقية . فالصين تحتاج لأفريقيا لتمدها بمصادر الطاقة ، والمواد الخام ، كما توفر أفريقيا للصين اسواق لمنتجاتها ، وساحة عمل لاستيعاب فائض العمالة عندها ، وأيضا تعزيز لشرعيتها ونفوذها العالمي . كانت العلاقات في الفترة من الخمسينات الى السبعينات تقوم على أسس أيديولوجية وثقافية ، كما وضحنا ، وكان نمط المساعدات الصينية لأفريقيا قائم على أساس القيم والمثل الصينية . مثال لذلك ارسال البعثات الطبية وتشييد المستشفيات ومراكز التأهيل المهني ومزارع ألأرز والأسماك ومراكز البحوث الزراعية ومصانع النسيج – رغم فائض منتجاتها من الغزل والنسيج فهي لا تبخل بتشييد المصانع ببعض دول القارة - وبناء الجسور وتعبيد الطرق  وانشاء السكك الحديدية (خط السكك الحديد الذي يربط تنزانيا بزامبيا TAZARA  في أواخر الستينات من القرن الماضي) ، وبناء قاعات مؤتمرات دولية حديثة في كل من السودان وتنزانيا ومبني البرلمان بتشاد ومطار دار السلام الدولي اضافة الى انشاء مقر الاتحاد الافريقي بأديس أبابا وتعيين بعثة صينية به . وكذلك تهتم الصين بمسألة التبادل الثقافي بايفاد الطلاب الى الصين وارسال البعثات الثقافية والرياضية ، ودعم التنمية الزراعية وتقديم القروض التفضيلية دون المطالبة بدفع قيمة خدمات الدين ، واذا تعثر سداد الدين تقوم الصين باعفائه (16)  .

   بعد وفاة ماو أصبحت الدوافع التي تحرك الصين تجاه أفريقيا اقتصادية  ، وأصبحت التوجهات الصينية نحو القارة الأفريقية تغلب عليها النزعة البرغماتية ، رغم الاعلان الصيني بأن الشراكة الاستراتيجية مع دول القارة الافريقية تقوم على أساس التعاون المشترك  والمنفعة المتبادلة Win – Win Cooperation . 

 

منبر التعاون الصيني – الأفريقي FOCAC

 

         منبر التعاون الصيني – الأفريقي  FOCAC :

          أعلن عن قيام منبر التعاون الصيني ـ الأفريقي في بكين في اكتوبر 2000 تحت شعار (الصداقة ، السلام ، التعاون ، التنمية) ، والذي حضره معظم القادة الأفارقة ، وهو عبارة عن آلية تهدف الى تأطير علاقات الجانبين في كافة المجالات ، هذا الأمر أثار حفيظة بعض الدول الغربية وعلى رأسهم بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية ، وبالتالي أبدت اهتمامها بمراقبة الدور السياسي والاقتصادي والعسكري الذي تقوم به الصين في أفريقيا . وقد استشعر كل من الصين والدول الأفريقية ضرورة أن يكون لهما دور في تعزيز علاقات دول الجنوب مع بعضها البعض ، والمساهمة في تأسيس نظام سياسي اقتصادي عالمي جديد يتسم بالعدالة والشفافية .

    هدف المنبر أن يكون اطارا للتشاور الجماعي من اجل تقوية علاقات الصداقة والتعاون بين الجانبين ، ولمواجهة تحديات العولمة ، وتحقيق الأهداف التنموية للألفية . وحضر المؤتمر حوالي 500 مشارك من الصين و45 وفد من الدول الافريقية التي لها علاقات دبلوماسية مع الصين . وتبنى المؤتمر وثيقتين رسميتين ، هما:

1-    اعلان بكين .

2-    برنامج التعاون الصيني – الأفريقي في مجال التنمية الاقتصادية والاجتماعية .

وقدمت الوثيقتان اطار عملي لاقامة شراكة من نوع جديد ، طويلة الأمد ، قائمة على الندية والمنفعة المتبادلة وتنفيذ خطط التنمية الشاملة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

    ومن أجل تقوية آلية منتدى التعاون الصيني – الأفريقي ، ولتنفيذ أفضل لأعمالها شكلت الصين لجنة متابعة  تتألف من مسئولين بارزين من 21 وزارة ومفوضية ووكالة .

    وفي ديسمبر 2003 انعقد المؤتمر الوزاري الثاني في أديس أبابا ، حضره رئيس  مجلس الدولة الصيني ون جيباو اضافة الى زعماء ومسؤولين من 44 دولة افريقية وممثلين لبعض المنظمات الدولية والاقليمية . اهتم المنتدى في هذه الدورة بقضايا التنمية البشرية ورفع القدرات ، فاعلنت الصين استعدادها لتدريب 10 الف أفريقي في مجالات مهنية مختلفة ، اضافة الى دعم المؤسسات التعليمية الأفريقية ومراكز التعليم الفني والمهني ، ويعتبرذلك تأكيدا الى ما تم اعلانه في منتدى عام 2000 بانشاء "صندوق تنمية الموارد البشرية"  Africa Human Resources Development Fund  ، وتنظيم الكورسات القصيرة للمهنيين الأفارقة بالصين ، بجانب المنح الجامعية وارسال معلمين صينيين الى افريقيا وبناء المدارس بالريف الأفريقي ، وتنشيط التبادل الثقافي والخبرات بين الجامعات الصينية والأفريقية . وفي نوفمبر 2005 اجتمع 17 وزير دولة أفريقية في بكين لتقييم برنامج المساعدات الصينية في مجال التعليم ، وكان هناك حوالي 18 ألف منحة دراسية صينية قدمت لخمسين دولة أفريقية مقارنة بـ 1200 منحة جملة ما قدم لأفريقيا قبل عام 2005 ، وأيضا تم تنفيذ 60 مشروع تعليمي بأفريقيا ، وانشاء 6 معاهد (كنفوشيوس) لتعليم اللغة والثقافة الصينية ، وهناك 8 ألف أفريقي يدرسون اللغة الصينية بالصين ، وأرسلت الصين عدد 530 معلم صيني الى أفريقيا (17).

وفي 3 نوفمبر 2006 انعقد الاجتماع الوزاري الثالث في بكين توطئة لاجتماع قمة بكين لمنبر التعاون الصيني – الأفريقي في 6 نوفمبر 2006 . وأعلن الرئيس هو جينتاو في هذه القمة عن حزمة من المساعدات الكبرى ، واجراءات تتعلق بالاستثمار والتجارة ومشروعات التعاون التنموي والقروض . وكان الاعلان بمثابة وضع أطر جديدة  لمسيرة الشراكة الاستراتيجية بين الصين وافريقيا .  والجدير ذكره أنه خلال الخمسين عام التي سبقت قيام هذا المنتدى ، كان حجم التبادل التجاري بين الصين وأفريقيا لم يتجاوز 12 مليون دولار ، واصبح في عام  2006 يقدر بحوالي 50 مليار دولار ، وفي هذا الصدد اعلن ريئس الوزراء الصيني ون جيباو في المنتدى بانه يمكن أن يصبح حجم التبادل التجاري بين الصين وأفريقيا 100 مليار بحلول عام 2010 ، وبالفعل بلغ حوالي 113 مليار دولار في هذا العام . فالصين تقدم دعمها الاقتصادي ومساعداتها التقنية والفنية للدول الأفريقية دون أي اعتبارات سياسية . وهذا لا يعبر عن موقف سلبي من الصين تجاه الاستقرار السياسي المنشود للتنمية في أفريقيا  ، فقد أعلن جيباو (بأن الصين تساعد الدول الأفريقية في تحقيق الديمقراطية وسيادة حكم القانون والعدالة الاجتماعية والمساواة) ، كما انها تساهم في تحقيق الأمن والعمل على تسوية النزاعات في أفريقيا من خلال مشاركتها في قوات حفظ السلام الأممية .  

    عقد الاجتماع الوزاري الرابع للمنتدى في منتجع شرم الشيخ بمصر في الفترة 8 - 9 نوفمبر 2009 وتمت فيه مراجعة تنفيذ ما تضمنه اعلان بكين وبرنامج التعاون التنموي  الصيني الأفريقي الذي تم طرحه في الاجتماع الوزاري الأول .   كما تم التصديق بـ 4000 منحة جامعية سنويا خلال ثلاثة اعوام . وأيضا أعلن عن صندوق التنمية الأفريقي ودعمه بمبلغ 5 مليار دولار من الجانب الصيني . وتعهدت الصين بزيادة عدد السلع المستوردة من الدول الأفريقية الأقل نموا والمسموح بدخولها الى الصين بدون جمارك من 190 الى 440 سلعة .

ان الاعلان عن منتدى التعاون الصيني – الأفريقي يعتبر  تغير دراماتيكي في مسار تطور العلاقات الصينية الأفريقية ، وان كان ظاهره اقتصادي ، ولكنه اهتم ايضا بتنفيذ كثير من مشروعات التنمية الاجتماعية ، كما نفذت كثير من القروض الصينية التفضيلية التي ساعدت على تنفيذ مشروعات التنمية في أفريقيا ، كما زاد حجم التبادل التجاري بين الطرفين ووصل الى 3ر166 مليار دولار امريكي عام 2011 ، وهي زيادة تصل الى 16 ضعف مقارنة ما كان عليه الحال في عام 2000 ، وبفائض 1ر20 مليار دولار أمريكي لصالح أفريقيا . لقد تعهدت الصين  بتسهيل دخول المنتجات الأفريقية الى السوق الصينية وزيادة حجم الاستثمارات الصينية بها وخاصة في المجال الزراعي والمجال السياحي . ودعا البيان السياسي الصادر من قمة المنتدى الى التعاون الشامل في مجالات التعليم ، والعلوم والتكنولوجيا ، الثقافة ، الطب والصحة العامة ، والاعلام ، والقضايا البيئية ودرء الكوارث ، كما عرض فيها الجانب الصيني استعداده لتقديم المساعدات العسكرية ودعم القدرات الدفاعية وكذلك التعاون في مجال القضاء والقانون والمعاملات الهجرية والتعاون في مجال مكافحة الارهاب .

في عام 2012 انعقدت الدورة الخامسة لمنتدى التعاون الصيني – الأفريقي ببكين .. وقد أعطت هذه الدورة أهمية خاصة لتطوير العلاقات السياسية بين الجانبين ، والتأكيد على تدعيم الثقة السياسية المتبادلة والتوافق الاستراتيجي . ودعم جهود الاتحاد الأفريقي في تحقيق الأمن والسلام في ربوع القارة الأفريقية .اضافة الى تنسيق ودعم جهود المنظمات الاقليمية الأفريقية الأخرى في كافة المجالات . كما أمنت الدورة على زيادة مجالات التعاون الاقتصادي وتحقيق التوازن التجاري بين الطرفين والاستمرار في تشييد البنية التحتية بأفريقيا . وقد أبدى هذا المنتدي اهتماما خاصا بقضايا مكافحة الفقر وبناء القدرات والتنمية البشرية (حيث التزمت الصين بتدريب 30 ألف أفريقي خلال ثلاثة سنوات ، وتوفير 18 ألف منحة جامعية) والاهتمام بتنفيذ مشروعات الأمن الغذائي والصناعات المرتبطة بالتقانة Hi- Tech Industries   .

وسوف تنعقد الدورة السادسة لمنتدى التعاون الصيني – الأفريقي عام 2015 بجنوب أفريقيا وسط عدد من المتغيرات التي حدثت في أفريقيا والصين والساحة الدولية ، التي ربما تشكل تحديات في تطور علاقات الجانبين ، وبالتالي ضرورة التفكير في سياقات جديدة لأنشطة المنتدى ، وذلك ما أكدته القيادة الصينية الجديدة على أهمية أن تكون هناك أبعاد جديدة لأسس التعاون والشراكة الاستراتيجية بين الصين وأفريقيا . فانخفاض معدلات النمو في الصين سوف يؤثر على حجم الصادرات الأفريقية للصين ، يضاف الى ذلك التحديات التي تواجه الاقتصاد العالمي وانخفاض سعر النفط ، الذي تعتمد عليه اقتصاديات بعض الدول الأفريقية ، وأيضا انخفاض سعر الدولار وتراجع التجارة الدولية . يضاف الى ذلك حالة عدم الاستقرار السياسي والتدهور الأمني في كثير من مناطق العالم .

 

التعاون الاقتصادي الأوربي – الأفريقي

 

التعاون الاقتصادي الأوربي – الأفريقي :   

    بدأ الارتباط الاقتصادي بين أوربا وأفريقيا ابان الفترة الاستعمارية بقيادة بريطانيا وفرنسا وبلجيكا وايطاليا وألمانيا .. حيث أرجعت كثير من الدراسات الأفريقية أسباب التخلف والفقر والصراعات بأفريقيا وضعف القدرات التي تمكنها من الاستفادة من مواردها الى الاستعمار الأوربي . ويشار الى أن أول محاولة لـتأطير العلاقات الاقتصادية بين أفريقيا وأوربا  كانت بعد حقبة الاستعمار هي اتفاقية عام 1958 بين أوربا ودول أفريقيا الفرنكفونية ، والتي تم تضمينها في البند الرابع لاتفاقية روما لاحقا ، وكانت قد عكست المصالح التجارية الأوربية بشكل واضح دون مراعاة لمصالح الدول الأفريقية بشكل متوازي . ثم تلتها اتفاقية ياوندي "اليورو - أفريقية" (يونيو 1964 – يوليو 1969) ، والتي تم تطويرها لينتج عنها اتفاقية "لومي" (1975 – 1979) ، والتي يتم تجديدها  كل خمسة سنوات لتنتهي بعام 2000 . وقد كان الهدف الأوربي من تلك الاتفاقيات هو الحصول على مواد أولية للصناعات الأوربية وايجاد أسواق لاستيعاب منتجاتها .. وعند تقييم المجلس الاستشاري لاتفاقية لومي اتضح أن هناك عجز واضح في الميزان التجاري لصالح أوربا مقارنة ما كان عليه الحال قبل التوقيع على اتفاقية لومي . وفي عام 1987 انخفضت صادرات أفريقيا لأوربا الى 15 مليار دولار مقارنة بصادرتها لأوربا عام 1980 والتي بلغت 24 مليار دولار . وفي بداية التسعينات حدث تغيير كبير في العلاقات الاقتصادية الأوربية الأفريقية ويعود ذلك الى الآتي :

1)    نهاية الحرب الباردة والانسحاب التدريجي للاتحاد السوفيتي من أفريقيا .

2)   توجيه الدعم التنموي الى دول أوربا الجنوبية (قبرص ، اسبانيا ، البرتقال) ودول أوربا الشرقية التي كانت جزء من المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي . وفقدت أفريقيا بذلك - في عام 1992 - من حصة المساعدات الخارجية مبلغ وقدره 130 مليار دولار والتي تم توجيهها الى دول أوربا الشرقية .

3)   انخفاض أسعار النفط ووجود المواد الأولية في مناطق أخرى خارج أفريقيا ، الأمر الذي أفقدها ميزة استراتيجية لدى أوربا .

4)    ظهور منظمة التجارة الدولية كآلية لتنظيم العلاقات الاقتصادية الدولية .

5)   مشروطية صندوق النقد الدولي في تقديم القروض والمنح ، وفرض برامج التكيف الهيكلي SAPs” " على الدول الأفريقية .

كل ذلك عرض الدول الأفريقية لأزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية وأمنية وضغوط خارجية . 

ثم جاءت مبادرة الشراكة الجديدة للتنمية في أفريقيا “NEPAD”   والتي تمت اجازتها من قبل القمة الأفريقية المنعقدة في زامبيا (لوساكا) في يوليو 2001 ، وكانت قد طرحت مفاهيم جديدة لمواجهة مشاكل القارة الأفريقية في ظل العولمة والتحولات والمتغيرات الدولية الكبرى والمتسارعة . وحاولت أن تربط بين جهود الشراكة المبذولة في الاطار الأفريقي وبين الدول الغنية المانحة  على أساس المصالح المتبادلة ، بعيدا عن صور الشراكة السابقة التي جعلت من افريقيا مصدرا لنهب مواردها ، او تكريس العلاقات الاقتصادية التاريخية التي تركت القارة مكبلة بالديون الخارجية المثقلة ، ومتأثرة بتبعات التحولات الاقتصادية والسياسية في العالم . لقد واجهت مبادرة الشراكة الجديدة للتنمية في أفريقيا عقبات كثيرة في سبيل تحقيق أهدافها في كسر سياج العزلة السياسية والتهميش الإقتصادي الدولي ، والخروج من النفق المظلم ، حتي تتمكن أفريقيا من تحقيق الإنجازات والأمال التي طالما تطلعت اليها شعوبها ، والتي كاد يهزمها اليأس في إحداث أي تحولات إقتصادية أو إجتماعية تهيأ لها الحياة الكريمة ، وتزيح عنها كابوس الفقر والجوع والمرض والجهل ، فتحتل مكانها بين أمم القارات الأخري، وتساهم بدلوها في صنع الأحداث والمتغيرات ، والإستفادة من الفرص التي تتيحها العولمة وتقوي علي المنافسة التي تستبطنها وتتجاوزتداعياتها السالبة.

العقبة الأولي أمام مبادرة الشراكة في تحقيق أهدافها تتمثل في أن العلاقات الإقتصادية بين الدول المانحة والدول المتلقية للمساعدات تتأثر كما شاهدنا خلال العقدين الاخرين من القرن الماضي بالتغيرات السياسية والتطورات الإقتصادية . فالأزمات الاقتصادية والمالية خلال عقد الثمانينيات والمتمثلة في الكساد في الدول الصناعية وتراكم متاخرات الديون الخارجية ، أدت الي تراجع   التدفقات الخارجية ، وتدهور شروط التبادل التجاري . كما أن التحولات السياسية التي تحكم العلاقات الدولية كثيراًًً ما تكون وليدة مفأجات وتطورات غير محسوبة ، كما حدث في مطلع عقد التسعينات من القرن الماضي بالنسبة لانهيار حائط برلين وقيام الإتحاد الاوروبي ، اللذين يمثلان نقطة تحول هامة في العلاقات الدولية ، ورسمت خارطة جديدة لمسار السياسات الدولية . كما أفرزت حرب الخليج الثانية أبعادا معقدة علي العلاقات الدولية والاقليمية وفي نفس السياق فقد أثرت الحرب علي العراق علي كثير من التوازنات في العلاقات الدولية ، وسببت ارتباكاً في الاوضاع السياسية الاقليمية وخاصة في منطقة الشرق الاوسط . وربما طالت تلك المفأجات معظم نظم الحكم في المنطقة وتكويناتها السياسية . ومن جانب آخر فان الصراعات بين اوربا والولايات المتحدة الأمريكية واليابان وبين الدول الناشئة والنامية وبين الدول الصناعية ما زالت تشتعل حول تفسير بنود اتفاقيات منظمة التجارة الدولية أو تأويلها لصالح مصالحها القومية ، والاستئثار بالفرص والميزات التي تتيحها تلك الإتفاقيات ، متجاوزة المبادئ الاساسية التي تسترشد بها منظمة التجارة الدوليه في تنظيم العلاقات التجارية الدولية. ومن أمثلة تلك الصراعات مايدور من خلافات حول دعم المنتجات الزراعية الذي يصر عليه الإتحاد الأوربي ، والخطوات التي اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية حيال واردات الحديد والصلب ومحاولاتها في التحكم واحتكار مصادر النفط الرئيسية في إطار الحرب علي العراق ، وتحركاتها في أواسط أسيا  وغرب أفريقيا.

     إن ذيول التطورات السياسية و الإقتصادية التي أثرت علي اتجاهات ومسار التدفقات الخارجية الي أفريقيا ما زالت ماثلة . ولا يعتقد ان هنالك مؤشرات موجبة تبشر بحدوث تطورات معاكسة في اتجاهات السياسات الدولية ، أو في مسار العلاقات الاقتصادية بين الدول الأفريقية والدول المانحة حتي نتوقع انفراجاً في إتجاهات ومسار تدفقات الموارد الخارجية والرأسمالية الي أفريقيا . وأيضا من أسباب تراجع التدفقات الرأسمالية الي دول الجنوب ، وخاصة افريقيا ، النتائج غير المرضية للتعاون الاقتصادي بين دول الجنوب ودول الشمال خلال الحقب الماضية ، خاصة فيما يتعلق بفشل مشروعات التنمية في إحداث التحولات الإقتصادية والإجتماعية المستهدفة . وبدلاً عن تحقيق تلك التحولات ، فقد ساهم نمط ذلك التعاون الاقتصادي في مزيد من التدهور الإقتصادي والإجتماعي وتآكل القدرات الإدارية والمهارات عن طريق هجرة العقول . بل أن فشل مشروعات التنمية الممولة من القروض نتج عنه عجز تلك الدول عن الوفاء بالتزامات خدمة الديون فترتب علي ذلك تراكم الديون ، فنشأت أزمة الديون التي أصبحت تشكل إحدي القضايا المركزية في القارة الأفريقية . وعلي خلفية هذه النتائج المخيبة للآمال افرز النمط التقليدي للتعاون انتقادات في الدول المانحة وعدم رضي في الدول المستفيدة . لذا برزت في الدول المانحة اتجاهات تدعو الي ضرورة إعادة النظر في مفهوم ومسار العلاقات الإقتصادية مع الدول النامية.

ويبدو أن مبادرة الشراكة الجديدة للتنمية في أفريقيا قد تنبهت لذلك القصور في العلاقات بين دول الجنوب ودول الشمال في الحقب الماضية وأرادت أن تتجاوز مظاهر وأسباب ذلك القصور في علاقات أفريقيا الإقتصادية في إطار علاقاتها الجديدة التي ترمي الي بناء جسور التواصل الفاعلة والمثمرة من المجتمع الدولي، خاصة مع الدول المانحة ، والتي تؤسس علي المصالح القطرية والإقليمية المتبادلة ، لذا وكما أوضحنا من قبل فقد اشتملت قرارات القمة الأفريقية التي أجازت مشروع الشراكة الجديدة للتنمية في أفريقيا ،علي مفاهيم وأهداف ترمي الي إحداث تحولات سياسية وإجتماعية وإقتصادية تتفق مع الإتجاهات المعاصرة في الساحة الدولية . فقد اهتمت مبادرة الشراكة الجديدة بإحداث تحولات كبري في مجالات الديمقراطية والتبادل السلمي للسلطة وصيانة حقوق الانسان ، بما في ذلك حقوق المرأة وتحقيق الوئام بين القطاعات الشعبية ومنظمات المجتمع المدني ، كما ركز البرنامج المصاحب للمبادرة علي محاصرة الفقر والمجاعات.

 ان تحقيق أهداف الشراكة الجديدة في بناء جسور الثقة بين أفريقيا والدول المانحة يعتمد على المصداقية التي تظهرها أفريقيا من خلال تنفيذها برامج واستراتيجيات الشراكة الجديدة وتحقيق أهدافها . وتحويل المفاهيم السياسية والتحولات الاقتصادية والاجتماعية الى أرض الواقع . ولاختبار مصداقية مبادرة الشراكة الجديدة وقدرتها على تحقيق أهدافها والالتزام بالمفاهيم والمبادئ التي أعلنتها ، فلا بد من الرجوع الى خطط العمل والمشروعات والسياسات والقرارات التي اصدرتها اعلانات القمم الأفريقية السابقة ، مع اعتبار أن الاستراتيجيات والمبادئ والمشروعات التي اشتملت عليها الشراكة الجديدة تمثل تجميعا وتكريسا لما اشتملت عليه المبادرات السابقة من الأهداف والمشروعات والمبادئ ، وبصفة خاصة ما جاء في خطة لاغوس المجازة عام 1980 ، والتي تعتبر أول مبادرة متكاملة للتعاون والعمل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي المشترك على مستوى القارة الأفريقية . ثم جاءت الاعلانات والمبادرات المكملة لها ، مثل : برنامج الأولويات للانعاش الاقتصادي في أفريقيا (1986- 1990) ، وبرنامج الأمم المتحدة للانعاش الاقتصادي في أفريقيا (1986- 1990) ، والبديل الأفريقي للتكيف الهيكلي ، ومؤتمر كمبالا للأمن والاستقرار والتنمية والتعاون في أفريقيا عام 1991 . لقد غطت المبادرة الجديدة للشراكة كل المبادرات السابقة تقريبا والاختلاف انها ارتكزت في أهدافها على بناء جسور العلاقات بين دول أفريقيا ودول الشمال الغنية . ورغم الآمال الكبيرة التي وضعتها الدول الأفريقية على هذه المبادرة الا أن ضعف الثقة الأفريقية في دول الشمال الغنية عزز من فرص تطور واطراد علاقتها مع الصين .  

 

نقد التجربة الصينية في أفريقيا

 

نقد التجربة الصينية في أفريقيا :

        يعتقد بعض المراقبين ان حاجة الصين للطاقة (النفط)  والمواد الخام (المعادن والأخشاب والمنتجات الزراعية) وايجاد أسواق في أفريقيا لمنتجانها التي تفتقد في معظم الأحوال لمعايير الجودة العالمية ، وايجاد فرص عمل واستثمار لشركاتها الوطنية واستيعاب فائض العمالة الصينية ـ حيث تخرج الجامعات الصينية سنويا 6 مليون طالب ، والحكومة الصينية لديها التزام بتوفير فرص عمل لهم ـ كل ذلك يعتبر المحرك الرئيسي لاهتمام الصين بأفريقيا . وفي الوقت الذي تغرق فيه الصين السوق الأفريقي بسلع ليست ذات جودة عالية فهي أيضا تهدد بذلك المنتجين المحليين حيث لا تتوفر سياسات حمائية لهم من حكوماتهم ، كما انها تدخل في أنشطة تجارية وخدمية ينبغي أن تكون حق محتكر للسكان المحليين مثل انشاء البقالات والمزارع والفنادق والمطاعم ووكالات السفر ..الخ  .      

        تتهم الشركات الصينية بضعف الخدمات الاجتماعية وعدم الاهتمام بالأبعاد البيئية المرتبطة بالقطع الجائر للغابات لتوفير الأخشاب والتوسع في انتاج الوقود الحفري والتعدين وانشاء السدود التي ينتج عنها آثار سالبة تضر بالبيئة (سد مروي) وكذلك عدم وضع اعتبارللسلامة الصحية ، مثال لما حدث للعمال الزامبيين الذين يعملون مع الشركات الصينية في تعدين النحاس . وأيضا عدم الاهتمام بالتأهيل والتدريب الفني والمهني للعمالة المحلية في أفريقيا بهدف اشراكهم في تنفيذ المشروعات المشتركة ، وبدلا عن ذلك نجدها تنتهج استخدام العمالة الصينية المكثفة في مجالات يمكن أن يتم فيها توظيف العمالة المحلية ، حيث حضر حوالي 3 مليون صيني للعمل بأنجولا مما أثار حفيظة السلطات الأنجولية . ويلاحظ أيضا الضعف في محور العلاقات الثقافية والسياسية . حيث لم تهتم الصين بحل مشاكل القارة المرتبطة بقضايا النزاعات والحروب الأهلية ومشكلة انعدام الأمن والارهاب والقرصنة ، وقضايا حقوق الانسان ، فهي مثلا ، لا تضغط على حكومة السودان لابداء تنازلات لايقاف الحرب في دارفور والمناطق الأخرى وكذلك الضغط على حكومة زيمبابوي لمعالجة مشكلة الانتهاكات الواضحة لحقوق المواطنين وأمنهم . كما لا تهتم بمواجهة مشاكل الفقر والأمراض الخطرة والمستوطنة (الايدز والايبولا) . بجانب مشاكل القارة المطروحة في الساحة الدولية ، ويأتي في مقدمة ذلك علاقة دول القارة بالمحكمة الجنائية ، وحق القارة أن يكون لها تمثيل كعضو دائم في مجلس الأمن الدولي .

        ان عزوف الشركات الغربية عن الاستثمار في أفريقيا اضافة الى العقوبات المفروضة على بعض دول القارة من قبل الغرب ، جعل المستثمر الصيني يفتقد للمنافسة ، وبالتالي يفرض شروطه عند تنفيذ مشروعات التنمية والانشطة الاستثمارية الأخرى على الدول الأفريقية .. رغم التأكيد من قبل الصين على أن توجهها  الاقتصادي نحو أفريقيا يقوم على قاعدة تعاون الجنوب – الجنوب وعلى أساس المنفعة المتبادلة ، الا أنه في حالة عدم التكافأ في القدرة الاقتصادية يجعل دائما كفة المنفعة لصالح الصين ، فالسؤال لماذا لا تسعى الصين لتنفيذ نموذجها التنموي لتطبيقه بدول القارة ، ولماذا تقوم معادلة الشراكة على الموارد والمواد الخام مقابل الأعمال للشركات الصينية ، ولماذا لا تؤسس الشراكة بين الطرفين على قاعدة صناعية بالقارة ، لما تتمتع به دولها  من موارد الطاقة والمواد الخام المتوفرة بها وسعة اسواقها مقابل توفر رأس المال والتكنولوجيا لدى الصين ، عندها يمكن أن يكون مبدأ التعاون المشترك والمنفعة المتبادلة يتسم بالواقعية Win – Win Situation .

 

مستقبل العلاقات الصينية – الأفريقية

 

مستقبل العلاقات الصينية – الأفريقية:

        ان مستقبل العلاقات الصينية – الأفريقية يتحدد من خلال دراسة متغيرات البيئة الداخلية لكل من الصين وأفريقيا ، والعوامل الدولية التي يمكن أن تؤثر على تلك المتغيرات .. فتأتي هنا أهمية معرفة ما سيكون عليه الوضع الاقتصادي في الصين ، والموقف السياسي والأمني بأفريقيا والتقدم الاقتصادي وانجاز خطط التنمية بها ، يضاف الى ذلك التطور في علاقات الصين الدولية ويأتي في مقدمة ذلك علاقاتها مع الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربي ، من جهة ، والتنافس والصراع الدولي في الساحة الأفريقية  حول الحصص الاستراتيجية ، من جهة أخري . 

        رغم التنبوءات المختلفة حول مستقبل الصين كقوى دولية عظمى صاعدة الا ان الصينيين دائما ما يؤكدون على أن الصين جزء من دول العالم الثالث ، وأن الرؤية الصينية تقول أن الصين يمكن أن تصبح قوة عظمى تعادل قوة الولايات المتحدة بحلول عام 2049 أي بعد مرور مائة عام على اعلان جمهورية الصين الشعبية ، وفي دراسة لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA ، أشارت الى أن الصين ستعادل قوة الولايات المتحدة أو تتجاوزها بقليل بحلول عام 2031 ، وذكرت بعض الدراسات الصينية أن الاقتصاد الصيني يمكن أن يتجاوز الاقتصاد الأمريكي من حيث الناتج الاجمالي المحلي عام 2025 . والجدير ذكره أن الصين كانت أكبر اقتصاد في العالم حتى عام 1890 قبل أن تتجاوزها الولايات المتحدة الأمريكية (18) . وتميزت مرحلة البناء الاشتراكي (1949 – 1976) باعادة تنظيم الزراعة والاعتماد على الصناعات الأساسية والتجهيزية اضافة الى القضاء على النظام الاقطاعي .. ومنذ عام 1978 تميزت هذه المرحلة بالانفتاح على الاقتصادات الرأسمالية ، وادخال اصلاحات جذرية على الاقتصاد والسماح بادخال مقاولات خاصة والملكية الخاصة للأراضي وتحديث الصناعة وجلب التكنولوجيا الغربية . وفي سنة 2003 بلغ اجمالي قيمة الاستثمارات الصينية في الأصول الثابتة ترليون دولار أمريكي ، وحجم مبيعات المواد الاستهلاكية بالتجزئة حوالي 900 مليار دولار ، وحجم التجارة الخارجية أكثر من 850 مليار دولار ، محتلة المرتبة الرابعة بعد الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا واليابان وقبل بريطانيا وفرنسا. والآن الاقتصاد الصيني يعتبر ثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة وقبل اليابان التي سبقتها عام 2010 بناتج محلي يقدر بـ 19ر4 ترليون دولار أمريكي ، وثاني أكبر اقتصاد بعد الولايات المتحدة بناتج اجمالي يقدر بـ 8ر8 ترليون دولار (2009)  وبحلول عام 2016 - طبقا للاكونوميست التي وضعت حساباتها على أساس بيانات على برنامج المقارنات الدولية ، والبنك الدولي - أن الصين ستتجه  لاستعادة عرشها مرة أخرى في عام (2016) وسيصبح اقتصادها الأول من حيث تعادل القوة الشرائية التي تظهر الاقتصاد الصيني أقوى من التقديرات العالمية .   وقد أكدت ذلك قناة العربية بتاريخ 18 مارس 2013 بأنه في عام 2016 سيتفوق الاقتصاد الصيني على الأمريكي . كما أشارت الى أن كل من بكين ونيودلهي سيصبحان من أكبر القوى الاقتصادية في العالم . وأنه بنهاية العام 2016 ومن حيث القدرة الشرائية أن الاقتصاديين الصيني والهندي مجتمعين سيتجاوزان اقتصاد كل من الولايات المتحدة واليابان وبريطانيا وكندا وفرنسا وألمانيا مجتمعة . وأن دخول الأفراد في كل من الصين والهند سوف تتضاعف سبعة مرات بحلول عام 2060 . رغم هذه المؤشرات الايجابية لمستقبل الاقتصاد الصيني الا ان بعض العوامل التي طرأت على الاقتصاد العالمي والاختلالات التي حدثت فيه والتي يرجح أن تستمر حتى عام 2030 اضافة الى بعض المتغيرات داخل الصين نتج عنها تراجع في معدل النمو الاقتصادي الصيني خلال العامين 2013 و2014 مسجلة أبطأ نمو منذ 25 سنة (19) ، وتوقع رئيس الوزراء الصيني لي كه تشيانغ أن ينمو اقتصاد بلاده بمعدل 7% في العام الحالي (2015) ، وهو أبطأ معدل منذ 25 سنة ، وقال لي في مقر اللجنة الاقتصادية لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي التابعة للأمم المتحدة في العاصمة التشيلية سانتياجو ، ان البيابنات في شهري ابريل ومايو 2015 تظهر أن الاقتصاد الصيني حافظ على قوته الدافعة رغم مؤشرات العامين الماضيين السالبة . وفي سياق متصل حث صندوق النقد الدولي الصين على تعزيز الدعم المالي لاقتصادها اذا هبط معدل النمو لأقل من 5ر6% هذا العام ، أو التأهب لاتخاذ اجراءات لكبح جماح الائتمان والاستثمار اذا ما ارتفع النمو بشكل مفاجئ عن هذا المستوى ، وقال الصندوق في تقرير له ، أنه يتوقع أن يبلغ معدل النمو الاقتصادي السنوي هذا العام في الصين 8ر6% قبل أن يشهد مزيدا من التراجع الى 25ر6% في عام 2016 . ازاء التحديات التي تواجه الاقتصاد الصيني اتخذت الحكومة الصينية حزمة من الاجراءات الاقتصادية هدفت الى زيادة معدل الاستهلاك المحلي وتشجيع الهجرة نحو المدن ومعالجة الاختلالات في بعض المقاطعات المتخلفة نسبيا . فالتراجع في الاقتصاد الصيني سينعكس على حجم المساعدات والقروض التي تقدمها الصين لأفريقيا ، كما سيزيد الاهتمام الصيني بدول الاتحاد الأوربي التي تشهد زيادة في حجم التبادلات التجارية بين الطرفين ، مثلا في عام 2014 بلغ حجم التبادلات التجارية بين ايطاليا والصين حوالي 50 مليار دولار وبين الصين وألمانيا حوالي 70 مليار دولار ، وهذا يفسر زيارة الرئيس الصيني بنج لعدد من الدول الأوربية والاهتمام الصيني بأوربا ، كما أن زيادة حجم التبادل التجاري مع الولايات المتحدة الأمريكية والتي تمثل الشريك الاقتصادي الأول للصين ، تسعي الصين لتوظيفه سياسيا من خلال آلية الحوار الاستراتيجي معها ، وخاصة بعد سياسة الادماج التي اعلنتها الولايات المتحدة للصين بدلا عن الاستمرار في سياسة الاحتواء ، وهذا يفسر التوجه الصيني القاضي بدلا عن التأكيد المستمر على علاقات الجنوب – الجنوب ، أن يجير نفوذ الصين لتعزيز علاقة الجنوب – الشمال . كما ان التطور في الاقتصاد الهندي سوف ينعكس ايجابا على العلاقات الهندية الأفريقية بجانب الاهتمام الروسي بأفريقيا ، مما يجعل الساحة الأفريقية عرضة للتنافس الدولي بواسطة لاعبين جدد وبالتالي سوف يشكل ذلك تحدي لعلاقة الصين بأفريقيا . اضافة الى ذلك مركزية جنوب أفريقيا في النظام الدولي وكعضو في مجموعة العشرين ومجموعة البركس ستمكن الدول الغنية لدخول أفريقيا خاصة الاقتصاديات الصاعدة كالبرازيل في أمريكا الجنوبية ، أيضا تطور الاقتصاد التركي سيجعل  تركيا جاهدة  لفتح نافذة لأريقيا . فظاهرة الصراع الدولي حول الموارد ستستمر ولن تبقى الصين سيدة الموقف في القارة السمراء . كذلك لا نتوقع للصين أن تساهم بشكل فعال في تسوية مشاكل القارة الأفريقية السياسية وحل الأزمات الأمنية والصراعات الأهلية المسلحة والتدهور الاقتصادي وحل اشكالات التنمية بشكل كبير ، مما يجعل القارة في حاجة دائمة للدعم الخارجي ، فالصين سيتركز اهتمامها بافريقيا من خلال زواية تحقيق مصالحها الاقتصادية أكثر من أي اعتبارات سياسية ، كما أن حالة انعدام الأمن في الأقاليم الأفريقية المختلفة سيؤثر على أمن الشركات الصينية وأمن أفرادها مما يجعل الصين تحت ضغط شعبي لتوفير الأمن والحماية لمواطنيها في أفريقيا وبالتالي سيدفع ذلك الشركات الصينية في تقليص حجم نشاطها في افريقيا خاصة مع ضعف الاعتمادات المالية من قبل بنك التصدير والاستيراد الصيني EXIM BANK لتمويل مشروعات التنمية بأفريقيا . كما ستتقلص اعتمادات دعم المشروعات والبرامج الاجتماعية ، كل ذلك سيفقد الصين قيمتها النسبية لدى الأفارقة .  

 

الخاتمــــــــــــــة

 

الخاتمــــــــــــــة :

        لم تعد الاعتبارات الثقافية والأيديولوجية هي التي تتحكم في مسار العلاقات الصينية ـ الأفريقية مثلما كان سائدا ابان فترة ماو . كما أن المبادئ الخمسة التي تحكم سياسة الصين الخارجية لم تعد واقعية في كثير من الأحيان ، وذلك لطبيعة التغيرات التي طرأت على المعايير والأعراف التي تحكم العلاقات الدولية ، والتي تبرر أحيانا التدخل في شؤون بعض الدول والتي تخص سيادتها . فحالة عدم الاستقرار التي تشهدها كثير من الدول الأفريقية ، لا بد أن يكون للصين دور مكمل للجهود المحلية والاقليمية والدولية . لأن الاستقرار السياسي والأمني ليس مطلب أفريقي محض ، ولكن هناك مصلحة مشتركة ، لأن المشروعات الكبيرة التي تنفذها الصين في أفريقيا تحتاج لبيئة اقليمية مستقرة . فمواجهة الصراعات الأهلية والارهاب والقرصنة هي قضية صينية مثلما هي قضية أفريقية .. فالصين تتعرض لضغوط دولية كبيرة بسبب تفجر الأوضاع الأمنية في بعض الأقاليم الأفريقية (دارفور) ، كما يتعرض أمن مواطنيها في أ فريقيا لخطر القتل والاختطاف والابتزاز (دلتا النيجر) . فقضية الأمن في أفريقيا لا بد أن تحظى باهتمام مضاعف من قبل القيادة الصينية مثل اهتمامها بموضوع الشراكة الاقتصادية مع القارة . فلا يكفي المشاركة الرمزية في قوات حفظ السلام الدولية ، لا بد من مساهمة الصين في رفع القدرات الأمنية والدفاعية الوطنية  لدول القارة الأفريقية .

        ان تداعيات النظام الدولي الآحادي على دول القارة والصين يجعل هناك هم مشترك وبالتالي ضرورة وضع استراتيجيات وخطط متفق عليها لتعديل هذه الوضعية ، مثل الاهتمام بانشاء نظم اقليمية ودولية (البركس) تفضي الى نظام تعددي يحقق الأمن والسلام العادل لكافة سكان المعمورة .. كما لا بد من مراجعات جادة لهياكل وعضوية وأنشطة منظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي .

        لا بد للأنظمة الافريقية اعادة صياغة خياراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية وفق معطيات الواقع المحلي والدولي ، والالتزام بأسس التحول الديمقراطي السلمي والحوكمة والمحاسبية والجدية في محاربة الفساد كمداخل لتحقيق الاستقرار والتنمية . فالتنمية هي المدخل لحسم الصراعات الاثنية وتحقيق التنمية الاقتصادية والسياسية وحسم اشكالية الهوية والتكامل القومي .. فالتنمية أيضا أساسها الريف الذي يتمتع بالموارد الزراعية وهو المدخل لتحقيق الأمن الغذائي وحل مشكلة العوز والجوع والأمن .. فالصين شراكتها مع افريقيا ينبغي أن تكون أحد ركائزها الاهتمام بالتنمية الريفية وتنمية القطاع الزراعي لما يتوفر للصين من مدخلات وتكنولوجيا وخبرات بحثية . فتشجيع البحث العلمي بأفريقيا هو رافعة التنمية الاقتصادية والاجتماعية .  كذلك للصين تجربة غنية في تأهيل ما يعرف بالقرى الاشتراكية النموذجية ، وهو مدخل عملي وناجح لتحقيق التنمية الريفية الشاملة في أفريقيا .   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المصادر والمراجع

 

المصادر والمراجع :

1-    Dr. M.A. Mohamed Salih, Sino – African, European Relations: An African Perspective, (Beijing, CASS,2006), P. 71.

2-    Chinese Scholar Li An Shan, African Studies in China in the Twentieth Century: A Histriographical Survey, in the African Studies Review, 48,1 (2005) PP. 59 – 87.

3-     الدكتور وليد عبدالحي ، المكانة المستقبلية للصين في النظام الدولي ، (أبوظبي ، مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية ، 2001) ص 45 .

4-    السفير وانغ وانقشينغ ، محاضرة بعنوان الصين وأفريقيا : نموذج ايجابي في العلاقات الدولية ، اقيمت بطرابلس – ليبيا بالمركز الثقافي السوداني ، في 6  يناير 2011 .

5-    دكتور عادل حسن محمد أحمد ،مستقبل التعاون الاستراتيجي بين السودان والصين  ، (الخرطوم ، شركة مطابع السودان للعملة المحدودة ، 2010) ص 20 .

6-    دكتور عادل حسن ، تحديات الأمن القومي السوداني بعد نهاية الحرب الباردة ، (الخرطوم ، شركة مطابع السودان للعملة المحدودة ، 2013) ، ص 70 .

7-    دكتور حميد الجميلي ، الصين والعهد الاقتصادي الجديد ، مجلة شؤون دولية ، العدد 4 للعام 1995 ، ص 134 .

8-    مايل دي شوبن ، التقييم الاستراتيجي ، (أبوظبي ، مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية ، 1997) ، ص 140 .

9-    دكتور عبد الوهاب عثمان شيخ موسى ، أفريقيا وتحديات الألفية الثالثة ، (الخرطوم ، دار مصحف أفريقيا ، 2004) ، ص 45 .

10-     نفس المرجع السابق ، ص 46 .

11-     دكتور عادل حسن ، مرجع سابق ، ص 78 .

12-     En. m. wikipec

13-     نفس المصدر السابق .

14-      Dr. David Hoile, The Darfur Crisis and Sino – African Relations, (Beijing, CASS, 2006), P. 111. 

15-     Dr. Paul Moorcraft, A British Perspective on Sino  African Relations, (Beijing, CASS,2006), P.128.

16-     Prof. Ali Abdulla Ali, The Sudanese – Sino Relations before and after the Oil, Paris, 2006, P.27.

17-      Dr. Kenneth King, The Beijing China – Africa Summit of 2006: The New Implementation Implication of Aid to Education, (Beijing, CASS, 2006), P. 33.    

18-     جريدة الوسط البحرينية عدد 4 مايو 2014 .

19-     منتدى الامارات الاقتصادي ، تقرير بعنوان : اقتصاد الصين يتجه لتسجيل أبطأ نمو في 25 عام ، بتاريخ 25 مايو 2015 .

RECENT EVENTS

Prev Next

Featured Publications

Facebook

CONTACT US

Address: St. #3, Amarat, Khartoum, Sudan

E-mail:info@grcsudan.org

Telephone: +249-183-269739

Fax: +249-183-269728

http://www.grcsudan.org